بوصوف: العالم يناصر الإنسانية والتعدد بالتوقيع على ميثاق الهجرة‎

[0 تعليق]

سيُوجـه الإعلام العالمي كـل عدساته نحو مدينة مراكش مع بداية شهر دجنبر 2018، حيث ستحتضن المدينة المغربية حدثـيـْن عالمييْـن في مجال الهجرة واللجوء. ويتعلق الأمر بكل من المنتـدى العـالمي حول الهجرة والتنمية في 6 و7 دجنبر في دورته الحادية عشر، برئاسة مشتركة بين كل من المغرب وألمـانيــا، والمؤتمر الدولي حول الميثاق العالمي للهجرة يومي 10 و11 من الشهر نفسه تحت رعايـة هيئـة الأمم المتحدة.

تشكل موجات الهجرة الجماعية أو الهروب الجماعي نقطة ساخنة في عالم انتشرت فيه الحرب والعنف والصراعات المسلحة، وأيضا تقلبات مناخية وموجات تصحر وجفاف وفيضانات، وقد وصلت أعداد المهاجرين في العالم ذروتها سنتي 2015 و2016 مما دفــع بالمنتظم الدولي، بدعم كبير من الرئيس الأمريكي آنذاك باراك أوباما، إلى تبني حوالي 190 دولــة خلاصات اجتماع الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة سنة 2016 فيما عُــرف بإعــلان نيويورك.https://t1.hespress.com/files/boussouf_706448614.jpg

وكان عنوان “الهجرة الآمنة والمنتظمة والنظامية” هو الشعار الكبير الذي اشتغلت عليه هيئة الأمم في المفاوضات طيلة 18 شهرا إلى أن توصلت إلى صيغة نهائية في 18 يوليوز 2018، تضمنت 23 هدفا من أجل خلق شبكة عالمية لتعزيز مبدأ التعاون والتضامن، وخلق تصور عالمي لظاهرة الهجرة واللجوء، واقتسام مسؤوليات تدبيرها، مع احترام مبدأ السيادة الوطنية والدفاع عن حقوق الإنسان والأطفال والنسا، والحد من مخاطر الهجرة، والاعتراف بالهجرة كـقيمة مضافة للتنمية الاجتماعية في العالم، وتبادل المعلومات والخبرات، وإدماج المهاجرين، ومكافحة الاتجار بالبشر…

لذلك، فإن توقيع الصيغة النهائية للميثاق العالمي للهجرة بمراكش يومي 10 و11 دجنبر هــي اعتراف دولي بمجهودات المغرب في تدبير ملف الهجرة، سواء كبلد أصل للمهاجرين أو بلـد عبور أو بـلـد استقرار للعديد من المهاجرين الأفارقة أو العرب، خاصة السوريين، وكذا لمهاجرين من دول أخرى.

اليمين المتطرف والتموقع الإيديولوجي من ميثاق الهجرة

لكن الطريق إلى مراكش لم يكن مفروشا بالورود، نظرا للتغييرات التي عرفتها الخريطة السياسية العالمية، المتمثلة أساسا في وصول اليمين واليمين المتطرف إلى السلطة في أكثر من بلد غربي؛ ما سُجل معه انسحابات غير مفاجئة من الميثاق العالمي للهجرة، وإعلان عدم الحضور إلى مدينة مراكش.

وإلى اليوم، تضم لائحة المنسحبين من “إعلان مراكش” كلا من الولايات المتحدة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب، والنمسا وهنغاريا وبولونيا وبلغاريا وكرواتيا وسلوفينيا والتشيك وسلوفاكيا والبرازيل والسويد بعد تصويت البرلمان، وفي الاتجاه نفسه قد تذهب حكومة إيطاليا التي أحالت الموضوع إلى البرلمان.

ميثاق الهجرة رغم طابعه غير الملزم للدول الموقعة إلا أن الانسحاب منه من قبل الدول المذكورة لم يكن بالأمر المفاجئ، فهو أمر راجع بالأساس إلى أدبيات الأحزاب الحاكمة في تلك الدول المبنية أصلا على التضييق على الهجرة وعلى مكتسبات المهاجرين، وتبني بعضها سياسة إغـلاق الحدود والموانئ والسياسة الحمائية. وتعرف تلك الحكومات جيدا أن التوقيع على ميثاق مراكش سيكون لـه تـأثيـر سياسي كبير وسط كتلتها الناخبة، وهو الرهان الذي لا تريد الأحزاب الحاكمة خوضه بالرغم من الطابع الإنساني لهذا الميثاق.

لـقـد كُـتب لملف الهجرة واللجوء أن يكــون محل خلاف إيديولوجي وسياسي كبير، وأن يكون “حطب” كل البرامج الانتخابية في الدول المستقبلة للمهاجرين، ونقطة خلاف بين مناصرين للعيش المشترك وقيم التضامن الإنساني وبين معارضين ومحافظين على مواقف إغلاق الحدود الوطنية والثقافات المحلية، وتسبب ملف الهجرة أيضا في صراع متعدد الأبعـاد يتداخل فيه السياسي والأمني والإنساني والاقتصادي والاجتماعي.

كما انعكس هذا الصراع على الإنتاج الثقافي، بحيث نجد أعمالا أدبية وفنية رافضة للتعدد في المجمعات الأوروبية، ومدافعة عن الانغلاق ورفض الدخول الأجنبي، مثل سلسلة أفــلام “خضوع” للمخرج الهولندي فان غوغ، وأيضا آلان فينكيلكروت في روايته “الهوية التعيسة” التي تناولت تهديد الهوية الإسلامية لنظيرتها الفرنسية، ورواية إيريك زمـور “الانتحار الفرنسي” التي تناولت خطر المهاجرين، وتحديدا المسلمين منهم، ناهيك عن رواية ميشيلهولبيك “خضوع” التي تصورت تولي محمد بن عــباس رئاسة الجمهورية الفرنسية سنة 2022، وما تبعه ذلك من أسلمة الجامعات وتعـدد الزوجات والقضاء على البطالة بعودة النساء إلى البيت بأسلوب تهكمي ساخر…

ونسجل في الجانب الآخـر العديد من الأعمال الفكرية والأدبية والسينمائية التي حملت مشاريع فكرية مضادة للفريق الأول كفيلم الفرنسي “الأهالي” الذي سلط الضوء على مشاركة الجاليات المسلمة وسكان المستعمرات الفرنسية في تحرير أوروبــا من الأنظمة الفاشية والنازية، وكــذا الفيلــم الأمريكي “يــوم بــدون مكسيكييـن” سنـة 2004، وفيلــم “الزائر” سنة 2007، وفيلــم “معجزة في لوهافر” سنة 2011…

إعلان مراكش انتصار للقيم الإنسانية

ومهما يكن، فـإن “إعلان مراكش” بمناسبة المنتدى العالمي للهجرة سيكون حتما انتصارا أخلاقيا وإنسانيا وتراكما جديدا في أدبيات الاشتغال على ملف الهجرة واللجوء والتنمية، على الرغم من تأثر هـــذا الملف بمتغيرات اللعبة السياسية العالمية وبمصالح الدول الكبرى، كما سيشكل مرجعا قانونيا وفقهيا انتصر للمقاربة الإنسانية في مواجهة المقاربة الأمنية؛ ذلك أن رعايـة هيئـة الأمم المتحدة للميثاق الدولي للهجرة أكسبته طابعا كــونيا من جهة، وأبرزت رغبة المجتمع الدولي في التفكير الجماعي والتفاوض الجماعي من أجل إيجاد إجابات عالمية لإشكالية المهاجرين واللاجئين الذين تجاوز عددهم حاجز 250 مليون مهاجر في جميع أنحاء العالم.

وهو ما نلمسه في تصريح لفريديكا موغريني، ممثلة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، في البرلمان الأوروبي، قالت فيه ما معناه: “إذا كانت المصلحة الوطنية تقتضي التحكم في الهجرة من أجل جعلها منتظمة وأكثر إنسانية ومستدامة، فإن الميثاق العالمي للهجرة هو الآلية الأكثر قوة التي نحتاج إليها للدفاع عن مصالحنا الوطنية”؛ وهي بهذا تدحض كل مخاوف بعض الدول الأعضاء في الاتحاد من تداعيات الهجرة في ظل أزمة اقتصادية وتراجع ديمغرافي ومشاكل بيئية واجتماعية، وتبدد أيضـا مخاوف تهديد الحدود الوطنية وإثارة الـفروق بين طالبي اللجوء السياسي والمهاجر “الاقتصادي” التي تثيرها تيارات اليمين المتطرف.

لـذلك، فالميثاق العالمي حول الهجرة هــو حلقة انتصار للإنسانية وسـط صراع أخذ أكثر من قناع، كما أن اختيــار مدينة مراكش لتوقيعه والمصادقة عليــه يحمل أكثــر من رسالــة، فهي رمــز للتنوع الثقافي والحضاري والإنساني، ومدينة اعتادت على أن تكون محفلا لأهم اللقاءات العالمية، وسيكون إعلان مراكش الخاص بالهجرة في دجنبر 2018 جوهرة أخرى في تاج هذه المدينة الكونية التي شهدت التوقيع سنة 2016 على إعلان مراكش لحقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي.

بقلم الدكتور عبد الله بوصوف

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات