
سلسلة “احمد بوكماخ” الذهبية بقلم حسن الباعقيلي

كثيرا ما تتناهى إلى آذاننا عبارة “الزمن الجميل”. وغالبا ما تكون هذه العبارة مصحوبة بأسف أو غبطة أو حنين. غير أنه وحين يعيد الواحد منا النظر في هذا الذي يوصف بالزمن الجميل لا يكاد يجده يبعد عنه إلا ببضعة عقود. وربما أقل من ذلك. وقد يكون الأصل في وصف فترة زمنية مضت بالزمن الجميل هو ذاك الشعور المبهم بسرعة تبدل الأحوال وتغير نظرتنا إلى الأشياء ودرجة احساسنا بها وأوجه تعاطينا معها.
ولعل المدرسة وكل ما يرتبط بها من ذكريات وخواطر وأحاسيس واحدة من العوامل التي توقد فينا الاحساس بأن الذي كان ومضى هو بالفعل ينتمي إلى زمن جميل. ومن ثم فلا أخال الذين صاروا اليوم كهولا يمرون عابرين أمام سلسلة “اقرأ” للأستاذ المعلم أحمد بوكماخ حين يتاح لهم أن يتصفحوا جزءا من أجزائها أو حين تعود بهم الذكرى إلى أيام النهل منها. أيام التمدرس الأولى والبدايات الأول. فربما تشمموا من أوراقها عبق زمن جميل مضى. وربما ذكرتهم القراءة في نص من نصوصها نبرة أستاذ أو زميل. وقد يتنهد الواحد منهم تنهيدة الأسف. وقد يبتسم ابتسامة الرضى، ويحمد الله في سره على الذي كان وكيف كان ومع من كان.
لم أكن من الذين تتلمذوا على أجزاء سلسلة “اقرأ” للأستاذ المعلم احمد بوكماخ، ولكنني حين أدركت الكنوز التي فيها، وطنت نفسي على أن أحمل إلى ابني الصغير مطلع كل عام دراسي جديد جزءا منها. ولم يتولد هذا الإدراك عندي إلا حين وقع الجزء الرابع منها في يدي عرضا. وحين فتحته وبدأت أقرأ نصوصه شدتني إليه الفقرة الأول من النص الأول الذي كان بعنوان.. “هيا معي” وفقرته الاولى التي كانت:
“دق الجرس، وفتح الباب، وإذا بصوت وقور يقول:
ـ صباح الخير يا سيدتي، أليس عندكم طفل قد بلغ سن المدرسة؟ ومع ذلك ما يزال لم يلتحق بها، فهل هو مريض؟
ـ لا يا سيدي الشرطي، إنه في تمام العافية.
ـ هل والده موجود فأكلمه؟
ـ لقد خرج إلى عمله.
ـ إذن فأخبريه ـ يا سيدتي ـ أنه لا بد من أخذ الولد غدا في الصباح إلى احدى المدارس المحلية، وأكدي عليه في ذلك، لأن من المحظور في هذه البلاد، عدم الالتحاق بالمدرسة في مثل سنه.
ـ سأخبره بالطبع.
ـ شكرا يا سيدتي، عمي صباحا.”
وبعد هذا النص الأول وجدت نصوصا ثمان كلها شحذ لهمة التلميذ، وتهيئة له لتجديد صلته بالدرس ووسائله بعد عطلة صيف طويلة. فعندما نستعرض عناوينها مبتدئين من النص الثاني إلى التاسع نجدها كالتالي: “التلاميذ يزينون قسمهم” ـ “معلمة متحمسة جدا” ـ “ورقة النقط” ـ “أبو غفلة والعالم العلامة” ـ “الرحمة لمن علمني” ـ “يا له من كتاب جميل” ـ “المكتبة المتنقلة” ـ “ندوة الكتاب”
وقد يلاحظ قارئ الجزء الرابع من سلسلة “اقرأ” ذاك الانسجام العجيب الذي رصت به نصوصها. فهي متدرجة مع تدرج أحوال الطبيعة وأنشطة الإنسان فيها. فما إن ينتهي التلميذ من قراءة النصوص الافتتاحية التسعة حتى تبدأ أمارات “الخريف” في الظهور. ومعها تظهر نصوص لها صلة بالخريف. وبعد الخريف يأتي الشتاء، وتواكبه نصوص عن المطر وأحواله وأجوائه. وبعد الشتاء يجيء الربيع البهي فيقرأ “حكاية الربيع العجيبة”. ويطرب لأغنية الراعي يخاطب خرافه:
هيا للمرعــى يا غنمي سيري يحـــدوك صدى النغم
سيري في المروج وفي الأكم من حولي يا أغلى النعم
وهكذا، ومع مفتتح كل موسم دراسي جديد كنت أبادر إلى اقتناء جزء من سلسلة “قرأ”. أحمله هدية إلى ابني الصغير. وأحبب إليه قراءة نصوصه. وأحمله حملا خفيفا على قراءتها إذا تلكأ أو تقاعس. وكذلك كان الحال مع مطلع هذا الموسم الدراسي الجديد. إذ بادرت إلى البحث عن الجزء الخامس. غير أنني وعلى غير العادة في المواسم الماضية لم أضفر بالذي خرجت أسعى إليه. فتشت عنه في كل مكتبات المدينة ولم أجده. وهاتفت البعيدة ولم أعثر عليه. وكان الواجب في الحالتين معا واحدا.. “لا نتوفر على الجزء الخامس”. وحين أسأل عن موعد توفره يأتي جواب واحد أحد.. “لا نعلم” وحين اختلط على العجب والاستغراب وبدأت أسأل عن السبب، كان يقال لي.. “وورثة المرحوم الاستاذ أحمد بوكماخ مختلفون حول حقوق النشر”
وازداد الأسف على العجب والاستغراب وفاقهما درجات حين تحول إلى غصة. وذلك عندما استعرت الجزء الخامس من عند صديق معلم. فإذا الذي فيها نصوص مختارة لعدد من كبار الكتاب والأدباء، عربا وعجما. أمثال مصطفى صادق الرافعي، احمد حسن الزيات، بديع الزمان الهمداني، توفيق الحكيم، عبد المجيد بن جلون، أحمد شوقي، ماكسيم غوركي، أوسكار وايلد، الجاحظ، المازني، لافونتين والعلامة عبد الله كنون وغيرهم كثير.
ولقد أدركت أمام هذه الثراء النصي الباذخ مقدار الفقد الذي يصيب التلاميذ الصغار، الذين يمرون بالمرحلة الابتدائية ثم لا يصيبون من مائدة النصوص العربية الممتازة زادا، ولا يغنمون منها فائدة ومعرفة. ومع هذا الادراك لقيمة النصوص المختارة وأثرها على النشأ الصغير علما وأدبا وفكرا وأخلاقا أدركت عظم المسؤولية الملقاة على عاتق من يملكون القدرة على توفير مثل هذه الكتب الجامعة للتلاميذ الصغار، سواء كان ذلك بطباعتها ونشرها أو بالتعريف بها وبما فيها وتوجيه أولياء النشأ إليها. ويا ليتهم ينهضون بها أكمل نهوض.
وعليه وإذا كان ثمت من رجاء أقدمه بين يدي هذه الكلمات فهو أن تعرف أجزاء سلسة معلم الأجيال بوكماخ طريقها السلس إلى ناشئتنا المتعلمة قريبا غير بعيد يرتضعون من لبان كنوزها الأدب والخير والمعرفة والعلم.



