رسالة في عيد الكتاب العالمي. بقلم: حسن الباعقيلي

Screenshot

ذكرتني القراءة في مقالة ليحيى حقي بواقعة شبيهة بتلك الواقعة التي بنى عليها مقالته. فقد بدت أفكار حقي في مقالته وكأنها تنظير ارشادي لتفاصيل واقعتي.
فالذي حدث معي هو أن أستاذا فاضلا طلب مني تنشيط فعالية ثقافية بمناسبة اليوم العالمي للكتاب. مشترطا أن يكون الكتاب هو موضوعها الرئيس. قبلت الفكرة في مبتدأ الأمر. غير أنني ترددت حين أدركت أن الذين سأمثل أمامهم نفر من تلامذة المرحلة الابتدائية لا تتجاوز أعمارهم العشرة ولا تقل عنها إلا بقليل. ثم طلبت من سائلي أن يمهلني حتى أنظر في الأمر، وقد ألمحت له أن اعتذاري وارد وربما هو الحاصل. فليس سهلا علي أن أقف بين يدي تلامذة صغار متكلما عن أي شأن من شؤون الكتاب مهما كان بسيطا أو بدى سهلا.
غير أن المهلة لم تكد تبدأ حتى اهتديت إلى فكرةٍ كتبتها رسالة وأرسلتها اعتذارا إلى سائلي أقول له فيها.. “سيدي الفاضل.. لا أظنك في حاجة إلى كاتب لتحتفي مع صغارك بالكتاب في عيده السنوي. ولا أظن كاتبا بقادر على مخاطبة صغارك إلا أن يكون موهوبا مرحا وحنونا صبورا.
وإذا كنت محظوظا وذهبت تبحث عن هذا الكاتب فقد لا تجده إلا حين تفوتك المناسبة. فيغدو الاحتفاء بها عندك وعند صبيتك باهتا خافة البريق.
إلا أنه وإذا كان لا بد أن يكون موضوع ما عزمت عليه هو الكتاب فإليك اقتراحي هذا عساك تجده مجديا نافعا.. خذ عددا من المعاجم والقواميس. واحرص على أن يكون عددها هو عدد صغارك التلاميذ. وعلى أن تشمل مادتها مجالات ثلاث.. شرح مفردات اللغة ومعاني الأسماء والتعريف بالشخصيات التاريخية. ثم اطلب من واحد من الذين في أيديهم معاجم الأسماء أن يبحث عن معنى اسمه. فإذا كان اسم هذا الباحث الصغير “تامر” فسيخبره المعجم أن “تامر” اسم عربي قديم، مشتق من التمر، عماد الحياة العربية هو وصنوه اللبن. وأن العرب حين كانت تطلق اسم تامرٍ وصفا على شخص ما فإنها تقصد أن ذاك الشخص محظوظ مرزوق لديه خير كثير.
وأما أولئك الذي في أيديهم معاجم الشخصيات التاريخية فيمكنك أن تكلفهم البحثَ عن معنى اسم مدرستهم، الذي يمرون تحته كلما دخلوها أو خرجوا منها. فإذا كان اسمها، مثلا، مدرسة ابن الهيثم فسيكشف لهم المعجم أن ابن الهيثم كان “فاضل النفس، قوي الذكاء، متفننا في العلوم، لم يماثله أحد من أهل زمانه في العلم الرياضي، ولا يقرب منه، وكان دائم الاشتغال، كثير التصنيف، وافر التزهد” وقد “نبغ في علم البصريات وطوره تطويرا جذريا، ويعد كتابه المناظر ثورة في عالم البصريات، فهو لم يتبنى نظريات كلاوديس بطليموس ليشرحها ويجري عليها بعض التعديل، بل رفض عددا من نظرياته في علم الضوء، بعدما توصل إلى نظريات جديدة أصبحت نواة علم البصريات الحديث.”
وهكذا سيدرك كل طفل تلميذ أن للمعاجم فائدة كبرى. لأنها تقدم لهم معاني أسمائهم اللصيقة بهم ومعاني أسماء لأشياء قريبة منهم. أي أنها تبصرهم بمفردات وجودهم القريب منهم. فترخي بذلك ظلالا مضيئة على بعض عناصر بيئتهم التي يحيون فيها. وذلك حين يغدو للاسم الشخصي جدر وتاريخ ومعنى ودلالة. وحين يغدو اسم المدرسة علامة ورمزا على شخصية تاريخية لها إسهام ومجد.
وإذا تأكدت استاذي العزيز من تحقق هذه الفائدة من مناولة صغارك للمعاجم والقواميس فيمكنك حينها أن توسع الدائرة قليلا وذلك بالانتقال السلس من معاني ودلالات مفردات الاسم الشخصي والمدرسة والشارع وحي السكن إلى كل مفردات الوجود الشامل. ومن المعاجم والقواميس إلى عموم الكتب.
لا شك في أن هذه الطريقة في الاحتفال بالكتاب ستجعل صغارك التلاميذ يشاركونه فرحته بعيده السنوي المتجدد. فها أنت تراهم مقبلين على المعاجم يقلبونها بين أيديهم لاعبين، باحثين، ومستكشفين. وها هو ذا الكتاب فرحا باشا يجود عليهم بما في بطنه من جميل المعنى وجليل الفائدة. وقد اكتسب محبة قلوبهم البريئة الدافئة.
وإذا بدت لك بارقةُ جدوى ونفع في اقتراحي هذا فتأكد أنك في حاجة إلى شخص بارع قادر على حفز تلاميذك على المثابرة والعمل، وعلى تحريك فضولهم للبحث والتحري، وعلى تنشيط مخيلتهم الواسعة على التخيل والربط والبناء. وليس شرطا أن يكون هذا الشخص كاتبا.. حظا موفقا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق