لازم.. لازم النضال

[0 تعليق]
  • Email
[whatsapp]

بوغضن

الدكتور علي شريعتي، في نقطة  منهجية ذكية و مهمة، يعتبر أن فهم دين معين (أو أي منهج حياة) و سبر خصائصه ينطلق من معرفة واستيعاب : الإله المقصود بالعبادة في ذلك الدين، كليات كتابه المرجعي المؤسس، صفات المُبشر بالدين و حامل رسالته، سمات الطليعة الأولى المؤمنة بالدين و الساعية لنشره..

من هذا المنطلق المنهجي نتعامل مع الإسلام، في محاولة لاستجلاء إحدى الخصائص التي يريد أن تتمكن من نفوس معتنقيه.

أكيد أن الله الذي جاء الإسلام  داعيا إلى توحيده؛ هو رحمان، رحيم، رؤوف، كريم.. لكنه كذلك، جبار شديد العقاب يُذل المتكبرين و الظالمين، يأنف من رؤية الظلم ينتشر و ينتصر فيمهل فقط و لا يهمل.. ( كتب الله لأغلبن أنا و رسلي إن الله قوي عزيز). سورة المجادلة: 20.

واضح أن القرآن العظيم لكونه كلام الإله الواحد الأوحد القوي المتين، فإن خطابه ينضح بالتحدي.. ( و إن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ) واليقين .. ( فإن لم تفعلوا و لن تفعلوا فاتقوا النار ). سورة البقرة:22-23.

و إذا كان الكتاب المرجعي المؤسس ( القرآن العظيم) يفيض بمعاني العزة و الأنفة ( مع التذكير بالتواضع دائما للمتواضعين : أشداء على الكفار رحماء بينهم ) و يوجه خطابه الممتد زمانا و مكانا للمؤمنين برسالته: (فلا تخافوهم و خافون إن كنتم مؤمنين). سورة آل عمران: 175 .

فلا ريب أن يكون رسول الإسلام صلى الله عليه و سلم أول المناضلين ضد الظلم و التكبر و الإهانة و أول  الداعين إلى القيم التحررية و المنتصرين لفضائل العزة و الأنفة.. من المرويات الشهيرة في هذا الصدد؛ أن الرسول صلى الله عليه و سلم لما رأى عمرا بن الخطاب رضي الله عنه يقرأ في صحيفة “التوراة”، استشاط غضبا و قال (أو ما معناه): و الله لو كان موسى حيا ما حق له إلا أن يتبعني. لعلها الأنفة هي التي حركت وجدان المصطفى. فعمر رضي الله عنه يعيش مع المصطفى و شهد بعينه ربما حتى بعض لحظات نزول الوحي و على الأقل حضور جبريل في درسه التعليمي ( في حديث جبريل المشهور في الأربعين النووية) و  مجموعة من المشاهد التي يتضح فيها تأييد الله للجماعة المؤمنة ( في غزوة بدر مثلا)، و مع ذلك يتلمس جديدا في التوراة المُحرف المنسوخ..

حُق للمصطفى أن يغضب و يأنف من أن يتشوف  صحابته الكرام جديدا في الكتب المحرفة المنسوخة مع أن بينهم نورا مبينا (القرآن العظيم).

جلي كذلك، أن الطليعة الأولى التي حملت لواء هذا الدين تمتلئ بفُيوضات قيم العزة و الأنفة و التحرر، نقف هنا عند مشهدين:

مشهد عمر رضي الله عنه إذ تسقط له دُرته و هو يمتطي دابة، فيأنف أن يناوله إياها أحد..

مشهد مكرور في الكتب و القصص، مشهد ربعي إذ يتكلم بكل عزة و ثقة و امتلاء عن زبدة الإسلام: ثورة تحررية و تحريرية شاملة..

حاصل الكلام، إن الله القوي المتين قاهر الجبارين و مذل المتكبرين الذي أرسل القرآن العظيم على رسوله  محارب الظالمين المتجبرين و قدر أن تتعاون معه عصبة مختارة رحيمة بينها شديدة على عتاة الكافرين الظالمين المتكبرين؛ إن الله جل و علا – و هو هذا – جاء بالإسلام لإيجاد مسلمين لا جبناء ( بتعبير الأستاذ بيغوفيتش )..

مسلمون أقوياء الصلة بالقوة المطلقة ( الله ) لا يكُفون عن الاستمداد منها، لا يحنون الجبهة لغيره جل في عُلاه.. يرفضون الظلم و التسلط و لو كان مثقال ذرة ( لأن ربهم يهتف: إني حرمت الظلم على نفسي و جعلته بينكم محرما فلا تظالموا)، يأنفون من الخنوع لأي استبداد أو غطرسة، يموتون من أجل الحرية و الكرامة..

و التاريخ يشهد لسنة لا تبديل لها: الحق يُنتزع و لا يعطى ! و بالتالي لا مفر من النضال من أجل استكمال انعتاقنا.

و للنضال ساحات، أولى ميادينه  العقول، أي النضال من أجل بناء وعي حضاري تحرري يمتاح من القيم التحررية الإسلامية الخالدة يلفت النظر إلى طبيعة الرحلة: رحلة الكدح إلى الله..

و له ميدان لا يقل أهمية، هو ميدان المعرفة و العلم، فبقدر علمك بقدر تحررك.. ( و اليوم في إطار مجتمع المعرفة: بات البقاء للأكثر إنتاجا و معرفة ).

و له ميدان هو المظاهرة، الوقفة، الاعتصام، الحلقية، الكلمة الحرة، و هو ميدان كذلك لا ينبغي التخلي عنه.. لأنه بقدر ما تضغط أكثر تنل حقك و تُصن كرامتك..

فلازم.. لازم النضال

مناسبة هذا الحديث، أحد أقربائي ( يحمل شهادة عليا)، اختار أن يقول لي ناصحا (بالأمازيغية ) : ” حرش، أتكت زوند باك أتبنوت تكمي زوند نتان.. فتساع إنضال.. فتساع إنضال..  “..

منطوق كلامه: “اجتهد لتكن مثل أبيك؛ تبني منزلا مثله.. ابتعد عن النضال.. ابتعد عن النضال” ..

هذا الكلام، كثيرا ما قيل لي بصيغ متعددة، من طرف بعض الأساتذة و الأقارب، بعدما حصلت على شهادة الباكالوريا.

و هنا، أقول لهذا القريب – و من يفكر تفكيره – شكر الله سعيك و قبل نصيحتك. فنحن، لا نتكبر عن السماع لمن طرق بابنا ناصحا. و لكن لا نقبل من أحد، الوصاية على اختياراتنا.

و إذا كان بناء المنزل غاية غاياتك. فبصفتي إنسانا، هناك بعض المُثل التي تتحكم في أفعالي و توجه أحكامي، لأنني لم أعتبر أبدا المتعة و السعادة كغاية في حد ذاتهما، و أترك هذا النوع من الاستمتاع للأفراد الذين يحصرون حياتهم في غرائز الجماعة. و بالمقابل هناك مُثل أثارت مجهوداتي و مكنتني من أحيا، و هي الخير و الجمال و الحقيقة. و إذا لم أعاند من دون هوادة في تقفي أثر هذه المُثل؛ فإن الحياة عديمة المعنى بالنسبة لي. و الحال أن البشرية تثير شغفا بغايات مثيرة للسخرية، و هي الغنى و المجد و الترف، و كلها أشياء أمقتها.(1)

و في الختام، النضال ( و الجهاد ) الفكري من أجل البحث عن الحقيقة و المعنى و كنه الجمال، إلى أن نلقى الرحمان جل في علاه، ديدُنا. و النضال من أجل إشاعة الخير (المعروف )، مهمتنا. و النضال من أجل انتزاع الحق و احترام الكرامة و الذب عن الحرية و ترسيخ الديمقراطية في بلادنا، واجباتنا. و لا يعني هذا بأي حال من الأحوال، التهور في فعلنا أو تحوير سلم أولوياتنا ( الاجتهاد في التعامل مع ما تجود به منظومتنا التعليمية ) . لأنه اختيار واع مبني عن قناعة، و ما الأسطر أعلاه إلا شذرات لتأطير هذه القناعة و توضيح أصولها الفكرية.

(1) إنشتاين، كيف أرى العالم. ص: 7 – 8  . مطبعة النجاح الجديدة: البيضاء. الطبعة الثانية: 2012

( أيوب بوغضن)

 

  • Email
[whatsapp]

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات