من الأطلس إلى الألب : حين تصنع الثقافة جسور المستقبل بين تيزنيت وگرونوبل

ليست كل الشراكات التي تجمع المدن ببعضها مجرد اتفاقيات موقعة أو برامج عمل مؤقتة، فبعضها ينجح في الارتقاء إلى مرتبة المشروع الحضاري المشترك الذي يجعل من الاختلاف الثقافي مصدر غنى، ومن البعد الجغرافي فرصة للتقارب، ومن التعاون المؤسساتي أفقا لبناء مستقبل متقاسم، ومن هذا المنطلق تكتسب الزيارة التي يقوم بها وفد مدينة تيزنيت إلى مدينة گرونوبل الفرنسية، برئاسة رئيس جماعة تيزنيت، في إطار فعاليات “من جبال الأطلس إلى جبال الألب..الثقافة الأمازيغية من تيزنيت”، قيمة رمزية واستراتيجية استثنائية بالنسبة للمدينتين معا.

لقد اختارت مدينة تيزنيت المغربية ومدينة كَرونوبل الفرنسية، عنوانا بليغا لهذا الاحتفاء يختزل جوهر العلاقة الناشئة بين المدينتين، فبين الأطلس والألب، ورغم اختلاف التضاريس واللغات والسياقات التاريخية، تمتد خيوط مشتركة من الانتماء إلى السهل والجبل باعتباره فضاء للهوية والذاكرة والصمود والإبداع.. ومن هنا يصبح اللقاء بين تيزنيت وگرونوبل أكثر من مجرد تواصل بين مؤسستين محليتين، إنه حوار بين تجربتين مجاليتين تتقاسمان قيم الانفتاح والتنوع والارتباط العميق بالتراث الطبيعي والثقافي.

وارتباطا بالموضوع، تأتي هذه الدينامية في سياق دولي متجدد باتت فيه الجماعات الترابية فاعلا أساسيا في العلاقات الدولية، حيث لم تعد الدبلوماسية حكرا على الدول والحكومات، بل أضحت المدن نفسها تبني شبكاتها وشراكاتها وتدافع عن مصالحها وتقدم صورتها للعالم.

وبالتالي، يمكن القول إن تجربة الشراكة بين تيزنيت وگرونوبل تشكل نموذجا متقدما للدبلوماسية الترابية التي تجعل من الثقافة والتنمية والتبادل الإنساني أدوات للتقارب والتأثير المتبادل.

فبالنسبة لمدينة تيزنيت، تمثل هذه الأيام الإشعاعية فرصة ثمينة لتعزيز حضورها الدولي وتقديم نفسها باعتبارها مدينة تجمع بين أصالة التراث ودينامية التحول، ومن خلال المعارض الفنية واللقاءات الأدبية والعروض الموسيقية والسينمائية والورشات الثقافية، لا تقدم تيزنيت منتوجا سياحيا فحسب، بل تعرض مكنوناتها الحضارية وهويتها الأمازيغية ورصيدها الإبداعي وقدرتها على إنتاج المعنى والجمال.. إنها تمارس شكلا راقيا من التسويق الترابي الذي لا يختزل المدينة في فضاء جغرافي، بل يقدمها باعتبارها تجربة إنسانية وثقافية متكاملة.

كما أن هذه الزيارة تمنح تيزنيت فرصة للاطلاع على تجارب رائدة في مجالات متعددة، من تدبير الوجهات السياحية وتسويقها، إلى التنقلات الناعمة واستعمالات الدراجة الهوائية، مرورا بتثمين التراث التاريخي وسياحة الجبل، ووصولا إلى التعاون التربوي والتكوين المهني، وهي مجالات تشكل جميعها روافد أساسية لمشروع التنمية المحلية الذي تنخرط فيه المدينة، وتجعل من التعاون مع گرونوبل شراكة قائمة على تبادل الخبرات أكثر من كونها مجرد علاقة رمزية.

أما بالنسبة لگرونوبل، فإن احتضان هذه الفعاليات يكرس مكانتها كمدينة منفتحة على العالم، مؤمنة بالتنوع الثقافي وبقدرة الثقافة على بناء الجسور بين الشعوب، فمن خلال استقبالها للثقافة الأمازيغية وللمبدعين والفنانين والباحثين القادمين من تيزنيت، تؤكد المدينة الفرنسية تمسكها بقيم التعددية والحوار والتعايش، وتغني فضاءها الثقافي بتجربة حضارية عريقة تشكل جزءا أصيلا من فسيفساء البحر الأبيض المتوسط.

ولعل أحد أبرز أوجه نجاح هذه المبادرة يتمثل في قدرتها على إشراك مختلف الفاعلين، من منتخبين ومؤسسات تعليمية وجمعيات وفنانين وشبابا ومبدعين وجالية مغربية، فالشراكات الترابية الأكثر استدامة هي تلك التي تتجاوز النخب والمؤسسات لتصبح مشروعا مجتمعيا يتبناه المواطنون أنفسهم، ومن هنا تكتسب اللقاءات الشبابية والعروض الفنية المشتركة والبرامج التربوية أهمية خاصة لأنها تؤسس لعلاقات إنسانية عميقة قادرة على الاستمرار خارج حدود البرامج الزمنية والتمويلات الظرفية.

إن الدلالة الأعمق لهذه الزيارة تكمن في كونها تؤسس لانتقال نوعي في مفهوم التعاون بين المدن، فبدلا من الاقتصار على تبادل الخبرات التقنية، أصبحت الشراكة فضاء لتقاسم الرؤى وبناء الثقة وإنتاج مشاريع مشتركة تجمع بين التنمية والثقافة والاقتصاد والتربية، إنها شراكة تجعل من الإنسان محورا لها، ومن الثقافة روحا لها، ومن التنمية المستدامة غايتها النهائية.

وبين جبال الأطلس وجبال الألب تتشكل اليوم قصة تعاون واعدة، عنوانها الاحترام المتبادل، ومادتها الإبداع المشترك، وأفقها بناء جسور دائمة بين الضفتين، وبهذا المعنى، لا تمثل زيارة تيزنيت إلى گرونوبل حدثا عابرا في أجندة العلاقات الدولية للجماعات الترابية، بل تشكل محطة مؤسسة لمسار جديد من الدبلوماسية الترابية الذكية، التي تجعل من الثقافة قوة ناعمة، ومن التعاون رافعة للتنمية، ومن الحلم المشترك مشروعا قابلا للتحقق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق