المغرب والولايات المتحدة الأمريكية: تأكيد جديد على مغربية الصحراء وتوسيع آفاق التعاون الإقليمي

“إن مغربية الصحراء حقيقة ثابتة، لا نقاش فيها، بحكم التاريخ والشرعية، وبإرادة قوية لأبنائها، واعتراف دولي واسع.”
“إن المغرب لا يتفاوض على صحرائه. ومغربية الصحراء لم تكن يوما ، ولن تكون أبدا مطروحة فوق طاولة المفاوضات.
وإنما نتفاوض من أجل إيجاد حل سلمي ، لهذا النزاع الإقليمي المفتعل.”
مقتطف من الخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى الـ 46 للمسيرة الخضراء المظفرة.

في لقاء دبلوماسي رفيع المستوى والذي جمع بين وزير الخارجية المغربي السيد ناصر بوريطة بنظيره الأمريكي السيد ماركو روبيو، جددت الولايات المتحدة الأمريكية من خلاله مواقفها الثابتة والداعمة للمملكة المغربية، وخاصة فيما يتعلق بقضية الصحراء المغربية والتعاون الإقليمي المشترك.

فقد جاء في بلاغ رسمي صادر عن الناطقة باسم الخارجية الأمريكية تامي بروس، أن هذا اللقاء شكل مناسبة لتأكيد متانة الشراكة الاستراتيجية بين الرباط وواشنطن، تحت قيادة كل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وجلالة الملك محمد السادس، وهي شراكة تنبني على أسس من التعاون المتين في مجالات السلم والأمن والاستقرار الإقليمي.

أما الرسالة الأقوى في هذا اللقاء تمثلت في إعادة التأكيد الصريح والواضح من قبل وزير الخارجية الأمريكي على اعتراف الولايات المتحدة الأميركية بسيادة المغرب الكاملة على أقاليمه الجنوبية. كما جدد دعم واشنطن للمبادرة المغربية للحكم الذاتي، واصفا إياها بـ”الجدية، ذات المصداقية، والواقعية”، ومؤكدا أنها تمثل الإطار الوحيد الممكن للتوصل إلى حل عادل ودائم للنزاع حول الصحراء، وهو ما يضرب في العمق خطاب “الانفصال” ويعزز الموقف المغربي على الصعيدين الأممي والدولي.

وهذا الموقف يعكس استمرارية سياسية واضحة منذ إعلان الرئيس دونالد ترامب في ولايته الأولى بالضبط في دجنبر 2020، والذي اعترف حينها بسيادة المغرب على الصحراء، والذي يعتبر اليوم مرجعية صلبة في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه هذا الملف. وقد أكد وزير الخارجية ماركو روبيو في ذات السياق أن الولايات المتحدة تؤمن بأن “الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية هو الحل الواقعي الوحيد”، داعيا جميع الأطراف إلى الانخراط في مفاوضات مباشرة دون تأخير، انطلاقا من المقترح المغربي.

من جهة أخرى، ناقش الطرفان سبل تعزيز التعاون في إطار اتفاقية أبراهام، التي تمثل أرضية مهمة لإعادة تشكيل العلاقات بين دول المنطقة. وقد أشاد الوزير الأمريكي بالدور القيادي للمغرب في دعم مستقبل أفضل للإسرائيليين والفلسطينيين، من خلال مقاربة معتدلة ومتوازنة تجمع بين الواقعية السياسية والبعد الإنساني، كما نوه بإسهام المغرب في دعم الجهود الرامية إلى إطلاق سراح الرهائن المحتجزين لدى حركة حماس، معتبرا أن المملكة تواصل لعب دور بناء في قضايا السلام الإقليمي.

ولم يغفل اللقاء الحديث عن آفاق توسيع التعاون التجاري بين البلدين، بما يعزز من العلاقات الاقتصادية ويعود بالنفع على الشعبين المغربي والأمريكي على حد سواء. وهي خطوة تندرج ضمن رؤية البلدين لبناء شراكة متعددة الأبعاد تتجاوز الملفات الأمنية والسياسية لتشمل الاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا.

الشيء الذي يحيلنا إلى كون هذا اللقاء وما جاء في بلاغه الرسمي، لا يترك مجالا للشك في أن الولايات المتحدة ماضية في دعمها لمغربية الصحراء، وتعزيز شراكتها الاستراتيجية مع الرباط. كما أنه يبرز المكانة المتقدمة التي بات يحتلها المغرب كفاعل إقليمي موثوق، وقوة دبلوماسية متزنة تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس، إذ منذ توليه سدة الحكم، جعل من ملف الصحراء المغربية أولوية وطنية ثابتة، ليس فقط على مستوى الخطاب السياسي، ولكن أيضا على مستوى تفعيل ديبلوماسية متعددة الأبعاد إن صح التعبير، بدءا بدبلوماسية رسمية نشطة في الأمم المتحدة والعواصم الكبرى، وصولا لدبلوماسية شعبية وروحية تكرس العمق التاريخي والشرعي للسيادة المغربية على أقاليمه الجنوبية.

في المقابل، يمثل التأكيد الأمريكي فرصة جديدة لتعزيز مواقف المغرب في المحافل الدولية، واستثمار هذه الدينامية السياسية لبناء إجماع دولي أوسع حول مبادرة الحكم الذاتي كحل وحيد واقعي وقابل للتطبيق لهذا النزاع المفتعل، فموقف الولايات المتحدة الأمريكية ليس مجرد تأكيد على موقف سياسي بل ترجمة واضحة المعالم لنضج العلاقة المتينة بين الرباط وواشنطن، ودليل ملموس على أن المسار الذي يقوده جلالة الملك ديبلوماسيا وتنمويا يؤتي ثماره، فاليوم لم يعد ملف الصحراء قضية وطنية فقط بل مفتاحا رئيسيا لفهم الشراكة الدولية مع المغرب، وهو تحول يحسب بكل المقاييس للحنكة الملكية في تدبير هذا الملف.

رابط البلاغ بالموقع الرسمي لوزارة الخارجية الأمريكية: https://www.state.gov/secretary-rubios-meeting-with-moroccan-foreign-minister-bourita/?fbclid=IwZXh0bgNhZW0CMTEAAR533W085lq46ZpuBq71Q8PvtjG7fTvF7RZkwsWdemxr-rvu0Bvfc5uzRl2eJw_aem_z4dEVQth1zdFGlt9y9-pTg

علي العسراوي.
باحث في سلك الدكتوراه.
القانون العام والعلوم السياسية.
جامعة محمد الخامس بالرباط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق