الفقيه القاضي أحمد بن أحمد أعمو
ينتمي الى عائلة أثيلة بتزنيت، ترجع نسبها الى أحمد بن إبراهيم بن إبراهيم دفين اسكَ، وهو الجد الأعلى لأيت محَمد. ذات رسوخ بارز في العلم والتجارة وفلاحة الأرض، فضلا عن مباشرة بعض أفرادها لمهام تدبير الشأن العام المحلي. ولد بتاريخ 02 فبراير 1904 الموافق ل 15 ذي القعدة 1321، وكان قد فقد والده وهو في بطن أمه، فتسمى باسمه. ومن حظه أنه نشأ وترعرع في كنف شقيقه القاضي النابه محمد أعمو، الذي أحاطه بعناية خاصة، يقول: “…فنشأت في حجر إخوتنا، خصوصا من قام بنا وتأديبنا، إقامة خير الإباء بطوع الأبناء، أخانا الأكبر سيدي محمد القاضي جزاه الله عنا أحسن الجزاء دنيا وأخرى…”، حريصا على أن ينال تعليما وتكوينا على الطريقة التقليدية. وبعد أن حفظ قدرا من القرآن الكريم على يد كل من الحسين ند خباش (ت1342) واحمد بن محمد بن عمر البعقيلي ( ت 1354) ، بادر إلى إرساله إلى ءيداوكَارسموكت ، وتحديدا مدرسة دو درار عند “… شيخنا العلامة النبيه الدراكة النزيه أبي الحسن سيدي علي الطاهر الرسموكي بمدرستهم تحت الجبل يوم الأربعاء منسلخ ربيع النبوي سنة 1343، فقرأنا عليه الجرومية مرتين، والجمل والزواوي وابن عاشر مرتين، ولامية الأفعال مرتين، والرسالة مرتين، وألفية ابن مالك أربع مرات ونصف أخرى، بالسيوطي والموضح والمكودي وواحدة بأيسر المسالك والسنوسية واضاءة الدجنة في كلام ومبلغ الامالي في التصريف والشمقمقية وابن دريد ونصف مقامات الحريري …” . ويبدو أنه لم يلبث بها كثيرا، ليلتحق بعدها بمدرسة أدوز في بداية شهر يونيو 1931، وبها أخذ عن شيخه المحفوظ الأدوزي، الذي أفرد له ترجمة وافرة، وحلاه ب “الشيخ الأكبر والبحر الأشهر العلامة النحرير شيخنا وسيدنا”. وكان من خواص تلامذته، ومن عادته أنه يسند إليه ” تدريس الألفية والجرومية والرسالة السمرقندية في علم البيان لعدة من الطلبة”. وذكر أنه قرأ عليه وانتفع به كثيرا وعليه كان اعتماده.
وبعد وفاة شيخه بتاريخ 29 مارس 1933 ، عرج مرة أخرى على مدرسة دو درار الرسموكية، دون أن يبطأ بها كثيرا ، ليشد الرحال الى مراكش، وعنها يقول ” فنزلت لدى الفقيه الأديب سيدي محمد المختار بن الشيخ سيدي الحاج علي الإلغي “.
وكان رحمه الله ضمن القلة من أبناء تزنيت ممن تطلعوا مبكرا الى النهل والاستزادة من علم الحواضر. وقد سنحت له الفرصة بمعية شقيقه إبراهيم للأخذ عن علماء فاس لمدة أربع سنين، حيث لازم جملة من الأساتيذ والشيوخ. وفي هذا الصدد أورد مقطعا مهما عن هذه المحطة في كناشته، قائلا: “…فحضرت بعض دروس الفقيه الأبر الأستاذ سيدي محمد بن الحبيب الفلالي، وسيدي محمد بن ببكر السرغيني المتوفى فاتح عام 1354، فقرأت جمع الجوامع الى الاجتهاد. وعلى شيخنا العلامة الأصولي سيدي محمد الطائع ابن الحاج والبناني على السلم والزقاقية وابن كيران على التوحيد على شيخنا المنطقي النوازلي الكلامي سيدي عباس بناني، والحديث على الشيخ الأعظم العلامة الورع الولي الناصح سيدي عبد الرحمان القرشي المتوفى في 20 المحرم 1354، وشيخنا سيدي محمد السايح الرباطي قاضي القضاة، وشيخنا سيدي الحسن المزوري وعلى الشيخ الميقاتي الحيسوبي الفلكي شيخنا العلامة سيدي محمد بن محمد العلمي الحسني، التوقيت بالربع المجيب والمقنطر والاسترلاب ، وبالحساب الستيني والاوغاريمي والتعديل والحساب. وغيرهم من السادات الأجلاء. ” وبرجوعنا الى كناشته، تستوقفنا تفاصيل عن هؤلاء الشيوخ، حيث أفرد للبعض منهم تراجم مطولة.
ولئن كان مقامه قصيرا بفاس، فإنه أثمر بتخرجه عن كبار علمائها، ممن استفاد من مجالستهم. وتمكن بفضل نباهته من الحصول على إجازات من أبرز مشاهيرهم. والحال أنه جدد اتصالاته بشيوخه المذكورين بالتراسل.
ولما اشتد عوده بعد مرحلة من التكوين والتحصيل، قفل راجعا الى مسقط رأسه في شهر يناير عام 1939، وتصدر للإقراء والتدريس بالجامع الكبير بتزنيت ، “بعد أن كانت فيه نسيا منسيا “، مواظبا على إقراء مختصر خليل وألفية ابن مالك وابن عاصم حفظا وفهما. فاجتمع عليه عدد معتبر من الطلبة سواء من أبناء البلدة أو غيرهم من الآفاق البعيدة، وانتفع بعلمه الكثير منهم. وكان ذا عزيمة قوية في تحسين وتجويد طرق التدريس، مجتهدا “…غاية الاجتهاد صباحا ومساء لوجه الله تعالى، فلم تمض إلا سنة حتى ظهرت نتائج ذلك الاجتهاد في جميع التلاميذ، لله الحمد”.
وفي 12 يناير 1941، تولى خطة نظارة الأحباس، بإلحاح من السلطات الوصية. وقد أورد في كناشته مبررات قبول هذا الوظيف قائلا ” فلما نظرت الى أن الانسان على كل حال انسان بشري لابد من الأسباب البشرية، لابد له من عوارض البشرية، فقلت هذه الخطة لأفعلها مستراحا من شغلي الذي هو خدمة العلم ليس إلا وسببا لما لابد منه من مباشرة العوارض البشرية”. والظاهر أن مهامه الرسمية لم تشغله عما كان يعمر وقته بإلقاء الدروس في إطار الكراسي العلمية بالجامع الكبير، وفق برنامج يومي صارم، يقول: ” فكنت أبكر في الأسفار الأعلى لإلقاء دروس ابتدائية ومثناوية في الصبيحة، وفي الساعة الثامنة عربية أذهب لمكتب الأحباس إلى فاتح الحادية عشرة أحضر في المدرسة أيضا … وبعد الفطر بسرعة نباشر درس الألفية لابن مالك والمقامة وبعض التأليف إلى متم الثانية عشرة، فذهبت للدار فنتغذى فيها بعد الظهر، فرجعت لمكتب الأحباس إلى بعد صلاة العصر فرجعت أيضا للمدرسة لمباشرة ابن عاصم وغيره. وبعد سرد الحزب بين العشاءين أحضر لدى الطلبة للإشراف عليهم أثناء المطالعة إلى أن نصلي العشاء فذهبت إلى داري “.
هكذا كان ديدنه رحمه الله إلى أن انتظم في سلك القضاء الشرعي ردحا من الزمن (1954 -1976)، خلفا للقاضي أحمد بن مبارك المسلوت. وقام بحقه معززا ومقدرا من طرف الجميع، مثالا للنزاهة والاستقامة في الفصل في الخصومات والمنازعات المختلفة. وفي عهده تجددت هياكل القضاء الشرعي بمحكمة تزنيت، وتحسن أداء نخبة من العدول التابعين لدائرة نفوذها الترابي.
وخلال انبثاق بوادر التباعد بين إدارة الحماية الفرنسية والقصر، واكب من موقعه الرسمي مواقف الوطنيين المشهودة، وما تموج في مدن المملكة من اضطرابات وتجاذبات آلت إلى مواجهات عنيفة. مما جعله يعبر بكل تلقائية وفي أكثر من مناسبة، عن أفكار تنسجم وقناعات الكثير من رواد العمل الوطني، والداعية الى مناصرة الشرعية. ويظهر أن تأييده لنشاط ومواقف هؤلاء، علاوة على مؤهلاته وتجربته، أهلته لتبوإ مرتبة ومكانة رفيعة غداة حصول المغرب على الاستقلال، لما انتدب بالإجماع، خلال فترة الفراغ السياسي التي تلت انسحاب الإدارة العسكرية الفرنسية عن تزنيت(1956-1957)، لتيسير أمور البلدة الى حين تسليم زمام الأمر إلى أول باشا معين على تزنيت عام 1958. وحسم بفضل مؤهلاته التواصلية في الكثير مما أشكل على ” لجنة حزب الاستقلال ” المنتدبة لتيسير الأمور التنظيمية بالمدينة خلال الفترة المذكورة. وكان معززا موقرا في الوسط السوسي، وله فيها مشاركة فعالة. وعرف عنه أنه لا يتوانى عن إبداء المشورة في قضايا ذات صلة بالشأن المحلي، لما هو مشهود له من رجاحة العقل وحصافة الرأي واستقامة في السلوك.
وهكذا ظل القاضي أعمو، بموازاة مع انشغالاته الرسمية، مقبلا على نفسه، مثابرا على تقديم الدروس على الطلبة بالجامع الكبير وداخل بعض مساجد وزوايا المدينة، دون كلل ولا توقف. وقد اعتمر وحج سنة 1957 ضمن الوفد الرسمي ثم حجة ثانية عام 1977 . كما له مشاركات فقهية وعدلية في عدة ملتقيات محلية ووطنية. وكان يجلل شخصه بالتعظيم والوقار، متحليا بروح مرحة، ميالة للدعابة والنكتة. وكانت له اليد البيضاء على ثلة من الباحثين في مجال التاريخ والتراث الفقهي بسوس، ممن كانوا يترددون على بيته العامر. وحافظ رحمه الله على هذا النهج إلى أن أقعده المرض وألزمه منزله ما يقرب من سنة، ليسلم روحه إلى بارئها قبيل صلاة العشاء ليوم السبت 23 رجب 1403 موافق 6 ماي 1983.
ولعل سعة اطلاع الفقيه في شتى العلوم، وما أوحت اليه مجالسات النقاش والمطارحة التي تنعقد بداره العامرة، التي شكلت محجا وملتقى للكثير من زوار تزنيت، إضافة الى أن اهتمامه وشغفه الكبير بالتاريخ وأحواله، جعلت منه شخصا مولعا بتتبع ومواكبة الأحداث والقضايا المحلية والوطنية والدولية، ملما بتفاصيل الأخبار عبر المذياع أو الجرائد والمجلات التي كانت تصل إلى المدينة، أو من خلال نقاشاته واتصالاته المتعددة المشارب.
عد القاضي أعمو من أصحاب محمد المختار السوسي المقربين، وكانت له منزلة رفيعة لديه. والغالب أنه يخصه بالزيارة والمؤانسة كلما حل بالمدينة.
والظاهر أنه اقتفى أثر السوسي وغيره في التوثيق والتدوين، ولا يستبعد أن يكون هذا الأمر قد نال استحسان السوسي كما يفهم من الأوصاف العالية التي حلاه بها في الترجمة التي أفردها له في “معسوله “.
لا يعرف للمترجم له تآليف خاصة، إلا أنه ترك تقييدات كثيرة من الأحكام، وبعض الرسائل الرائعة المتبادلة مع عدد من أصحابه من العلماء والفقهاء وغيرهم، إضافة الى كنانيشه. كما عني بالشعر وتقريضه، مزاولا مختلف ضروبه. وقد برهن من خلال تقييداته – نثرا وشعرا – عن حس نقدي مرهف، وسلامة التركيب وذوق سليم وسلاسة المعنى وعذوبته ،وسعة اطلاع، مع وضوح في المعنى وانسجام في الأسلوب بعيدا عن التكلف.
أحمد بومزكو




