الإسلاميون في السلطة..انتصار للإسلام السياسي أم هزيمة له؟
وحدث أن التيارات الإسلامية كانت من بين كبار الفاعلين في حركة الشارع العربي. والأمر لا يتعلق هنا بمن أطلق الشرارة الأولى. وحيث أن كثيرا من الملاحظين كانوا يعتقدون أن الغرب سيقف ضد ذلك الحراك، إذا ما تبين أن غالبية المنخرطين فيه من التيارات الإسلامية، المصنفة لديه في عداد الجماعات الإرهابية. وهنا يتذكر الجميع كيف سارعت فرنسا ساركوزي إلى عرض مساعدتها على نظام بن على لقمع احتجاجات الشارع التونسي، كما نتذكر أيضا كيف كان يكرر بن علي في خطبه أن ما يحدث في تونس من فعل الجماعات الإسلامية الإرهابية، استعطافا لحماته في الغرب. وكذلك فعل بعده حسني مبارك ثم القذافي وعلي صالح بعدهما. ولا يزال بشار الأسد يلح في محاربة معارضيه بأنه يحارب الإرهابيين الإسلاميين. اعتمادا على محفوظات كانت يوما مبررا كافيا للاستبداد بشعوب المنطقة.
غير أن أمريكا بالذات تكون قد حولت اتجاهها مرحليا بنسبة 180 درجة، فقد تغاضت “طنّشت” عن مشاركة التيارات الإسلامية في المطالبة بإسقاط الأنظمة المستبدة، بل مارست ضغوطا قوية لتأييد مطالب الشارع، ولم تبد أي اعتراض عن إمكان وصول تلك الحركات إلى السلطة عن طريق صناديق الاقتراع، عكس موقفها تماما من حركة حماس الفلسطينية حين انتخبها الفلسطينيون في 2006، كما هو معروف.
ويبدو أن أمريكا تقود حلفاءها الغربيين دون أن تطلعهم على المضمون الكامل لخططها، وإلا لما سارعت وزارة الخارجية الفرنسية، في الإبان، إلى إعلان استعدادها لتقديم مساعدات لقمع معارضي نظام بن علي. ويبدو أنها لم تدرك التحول الأمريكي إلا عند هروب بن علي إلى السعودية. ولذا كانت سباقة إلى تأييد حراك الشارع الليبي بكل قوة، تكفيرا عن خطئها في تونس ولتحقيق مآرب أخرى.
ومن ناحية ثانية، ووفقا لمقولة “ليس في السياسة صداقات دائمة بل مصالح دائمة”، تقرر إنهاء صلاحية حكام عرب، ارتأت أمريكا أنهم قد استُهلكوا، بعد أن أصبح وجودهم في السلطة عنصرا لتأجيج الرأي العام العربي ضدها وضد إسرائيل، ولم تشفع لهم الخدمات التي قدموها لها ولحليفتها في المنطقة؛ لأنهم اليوم أصبحوا جزءا من مشاكلها في المنطقة التي يزداد فيها التطرف، وتتسع فيها القلاقل والكراهية لأمريكا.
ومن هنا ظهرت ضرورة وبرجماتية تغيير الشعارات والتعبيرات التي أضرت بالسياسة الأمريكية وسمعتها مع الإبقاء على مواقفها وسياساتها وخططها فيما يتعلق بالتيارات الإسلامية. إنها خطط ستحقق لها نفس الأهداف التي عجزت عنها خطط إعلان الحرب على تلك التيارات، لمدة تزيد عن عقدين من الزمن كما يعلم الجميع.
يتعلق الأمر باحتواء حراك الشارع العربي، وبالذات تيارات الإسلام السياسي بمنهجية جديدة، بعد عجز الخطط الحربية من النيل منها وهزمها عسكريا، وبعد فشل الاعتماد على إسلام بعض الطرق الصوفية لمساعدتها عل تحقيق غاياتها ، كما كان الشأن زمن الغزو الاستعماري، كبديل للإسلام السياسي، وظهور دعوات هنا وهناك قصد توحيد الأديان الإبراهيمية تحت مبررات ومسميات متعددة، لكن دون جدوى.
والمنهجية الجديدة تقوم في هذه المرحلة على ثلاث ركائز:
التوقف عن مساعدة حكام كانوا سببا في تضخم جسم تلك الحركات بسبب الممارسات القمعية، وفي استشراء الفساد الإداري والرشوة واقتصاد الريع، وانسداد الأفق السياسي ، إضافة إلى انتشار مهول للبطالة بين الشباب،
اعتماد سيناريو إلحاق الهزيمة بالإسلام السياسي من الداخل، بدلا من استمرار محاربته من الخارج فقط. وذلك من خلال دعم وصول تيارات الإسلام السياسي إلى السلطة في بلدانها بواسطة صناديق الاقتراع، مع العلم أن النخب المنتمية إلى قيم الثقافة الغربية بلبراليتها ويساريتها, والنخب الأخرى التي ترعرعت في ترف الأنظمة السابقة لفترة تقارب قرنا من الزمن لن تقبل بتولي الإسلاميين السلطة، بأي صفة من الصفات.
إضعاف الضغوط السيكو اجتماعية، التي كانت وراء مظاهر التضامن بين كل مكونات الشعوب العربية نحو سياسات أمريكا العربية الإسلامية، بسبب حربها الصليبية، التي أعلنها بوش الثاني. والمجتمعات كل المجتمعات تتوحد أمام الأخطار الخارجية،ة كما هو معلوم. فإذن لا بد من تغيير الخطط وآليات التنفيذ.
واليوم نرى أن هذه المنهجية بدأت تؤِتي أّكلها بين فرقاء المشهد السياسي في الدول التي وصل فيها الإسلاميون إلى السلطة مشرقا ومغربا.
ونظرا إلى أن الحروب تحركها المصالح والانتماءات الفكرية أو الإيديولوجية، ونظرا إلى غياب أي شكل من أشكال لغة التوافق بين مكونات المجتمع السياسي والثقافي، أي بين الفئات المنتمية للقيم الثقافية الغربية، والجماعات التي تتخذ من الإسلام مرجعية عامة لها، فقد انبرت الفئات الأولى لمواجهة الإسلاميين ننفس الأساليب التي كانت تقوم بها التيارات الإسلامية ضد الأنظمة الناجمة عن الانقلابات العسكرية، أو غيرها المحمية غربيا وإسرائيليا.
صحيح، أن هؤلاء المعارضين ليس لهم امتداد جماهيري يماثل جماهير التيارات الإسلامية، أو عمق شعبي يتجاوب مع شعاراتهم، لكنهم أصحاب توغل في كل أوصال الدولة الوريثة للاستعمار وقيمه، ويملكون أدوات إعلامية قوية منبثة في كل زوايا المجتمع، ولهم تمرس لا يضاهى على ممارسة الجدال المراوغ، (La polémique) كما أن لهم قدرة بلاغية في توظيف أخطاء خصومهم مهما تكن طبيعتها. ومع أن الواصلين الجدد إلى السلطة تنقصهم تجارب ممارسة الحكم، مع تراكم الفقر في مجتمعاتهم وازدياد نسبته، وغياب مؤشرات تقليص انتشار البطالة بين الشباب في المدى المنظور، ز



