
رحيل الحاج العربي الحسني “العوني” أب الفنان سعيــد الحسني ترك حزنا عميقا في نفوس العارفين له
رحـــل الحاج العربي الحسنـــي الملقـــب بـالحـــــاج “العـــونــــي” عــــن عمــر ناهـــز الـ 73، بعــد صــراع مباغـــث مع المــرض، بمقر بيتــه الكائن بمدينــة سيدي علـــي بن حمدوش، وفي جعبتـــه كثيـــر من الوصايـــا والعطاءات اللامحــــدودة.
فأقـــل ما يقـــال عنــه أنــه رجــل تشبـــع كثيـــرا بمبــادئ ودروس الحيـــاة اليوميـــة، حتى صـــــار شخصــا معروفــا لدى محيـــط قريتـــه بالحكيـــم، الذي يرجـــع لــه الفضل فــي فــك النوازل وصلح المتخاصميــــن والمتقاضيـــن من أبناء بلدته.
ولد الحــاج العربي الحسني الذي اجتمع فيه ما تفرق في غيره من حكـــم وعِـبـر ستظــل موشومة بمداد تاريخ الحب لمسقط رأسه، بقبيلـــــة “العونات” مهــــد الشرفـــاء بإقليــم سيدي بنـــور، التابعــة قبل التقسيـــم الترابــي لإقليــم الجديــدة، وترعــرع بالضبــط بدوار أولاد ســي “الغالــي” جماعــة أولاد بوساكـــن المعروفة بــــ ( الزاويـــــة الصغيــــرة)..
من هــــذه القريــــة التــــي تخـــرج منها العديــــد من الأطـــــر والأطقم الإدارية في أسلاك مختلفــة، انطلقــت مسيرتـــه كرجل حالـــم بمستقبـــل جــاد وزاهـــر، بيــن ممارســة الفلاحـــة البوريـــة وتربيـــة المواشــي والميــول للطريقـــة الصوفيــة والزهـــد بذكـــر الله، ونشــر قيــم الوطنية والتسامح بين أفراد قبيلته.
لم يكتــف بقــدر براعتــه في النشـــاط الفلاحـــي وما جـــادت بـــه أناملـــه بأرض الشرفـــاء العونييـــن، من مزروعـــات وخيــرات فلاحيــة وخضروات وثمـــور موسميـــة، بل خبـــره اليقيــن الربانــي أن نصيــب من بقيــــة عمـــره سيعيـــشه ويقضيـــه يوما ما داخـــل أســــوار مدينــــة البريجـــة – مازغـــان (الجديدة). هكـــذا حمــل همـــه ومتاعه وكل ما يملــك في كفي يديـــه رفقة زوجته وأبنائــــه، بدمــوع الحسرة وفــراق مسقــط رأسه، وكلــه أمــل فـــي القــادم أجمــل في الهجــرة من القريـــة إلــى المدينــة لتدريـــس وتعليم فلذات كبــــده، ليحــط الرحال بيــن مدينتيــن متقاربتيــن في كل شيء، في البحر والطبيعة والوادي، الأولى تسمـــى أم الربيـــع (أزمور) والثانية مازغان أو البريجــــة (الجديدة). فبـــدأ نشاطــه التجــاري معتمــدا على مهارتــه الشخصيـــة وما يتوفـــر عليه من تجارب ومؤهـــلات ليست بالسهلة في البيع والشراء التي ورثها من خلال تعامله واحتكاكه بمجموعـــة من الباعة والتجـــار الكبار، في وقــت كانت فيــه مزاولـــة مهنة التجـــارة حكـــرا على الفقـــراء.. وطريقا صحيحا يؤدي إلـــى نجاح الأغنيـــاء وأبنــاء الأعيـــــان.
سفره من القريـــة إلى المدينــة لم يأت بمحــض إرادته أو البحــث عن الاستجمـــام بالعاصمة الدكاليـــــة، بل كان وراءه خيـــال واســـــع ومستقبــل مبشــر بالخيـــر، فيما سيأتي مع مرور الأيـــــام..
هكذا كان حلم هــــذا الرجـــل البدوي المغلوب على أمره وقوت يومــه، يطمح في أن ير جل أبناءه رجـــــالا، يضـــرب بهــم المثل في التفوق العلمي والأخـــلاق وكل الصفـــات الحميــــــــدة التي يراها رب البيـــت في أسرتـــه.. حيث صار فيهم الطبيب، والفنـــان، والجامعــي…، والخلف الصالح الذي حمــل اسم العونـــي خارج المغرب في الترويض الطبي. فمن قبيلـــة العونات إلى تونس الشقيقة عبر مدينة الرباط، بصـــم ابنه مصطفى الحسني،اسمه في ميدان الطب، يليه سعيد الحسني الذي جمع بين الدراسة، والوظيفة العمومية، والتأليف، والأعمال السينمائية والتلفزية…
كانت تجمعـــه بين الحيــــــن والآخــــــر بيـــن أبنائــــه البررة مصطفـــى وسعيـــد وعبــــد الرحيــم ومحمـــد والسعديــة… وحفيظـــة ســـره الأبــــدي وأم أبنائــــه، عشــق الحياة بكل تلاوينها، فهـــو الذي يحدث ويتحــدث، وكأنه يقـــول للمستقبل “في هـــذا الزمان المتبذل، تطــرق أبوابك المشاكــل، مهما اتخــذت من احتياطــات، ومهما سيجت نفسك، لو حصنت نفســـك في برج منيع، وقطعت كل صلــة سترتاح، لكن إلى حيـــن، وبما أن الحيـــاة عرض حاضر، يأكـــل منها البــار والفاجـــر، فلابــد أن تتقبل سليـــم الطوية وخبيث القلب، تؤدي ضريبــة على بضائــع وهميــة لا علم لك بها، وتتسلم مكافأة أو جائـــزة على عمــل لم تقـــم به، أخــذ وعطــاء تلك سنـــة الحيـــاة.
فمـــن دكانــــه التاريخــــي، بحومــــة لـــلا زهـــرة بمدينة الجديدة.. رسمت تجاعيـــد الحياة قوسا مزيجا على محياه، بحلم من السخاء والقناعة بالقليـــــل، فلم تكن الأيــــام التي قضاها كفلاح بالقرية أو تاجر صغير بالمدينة، مانعا في حمل عكــــازه وتسبيحـــه الـــذي لا يفارق عنقـــه ، ولحيته البيضاء التي تنير الضوء على وجهه، وجلبابــه الصوفي المتعدد الألوان والأشكال، ومشيتـــه الهادئــة ، وحديثه الخفيف جعل كل الأجيـــال التي عاصرته تبكي حزنا يوم وداعـــه، فأهـــل الله وخاصته هم سنده ورفاقه الأول والأخيـــر، وكرم الضيافة ومحبة الله، أول الكــلام ومنتهى آخـــر استغفـــار له قبـــل موته.. فبيته المتواضـــع القابـــع فوق تراب جماعة سيدي علي بن حمدوش، جانب منتهى مصب ضفاف أم الربيــــع، لا يخلو دائما من زيارات ومعانقة الأصدقـــاء والأهـــل وجيران الحومـــة ، وكلامه المرصـــع الموزون لا ينغــص خاطرا ولا يفســد الجلوس حول “الصينيــة” واسترجاع الأيـــام في الود قضيـــة.
رحـــل الحاج “العونـــي” في رمشـــة عين خاطفـــة كلمـــح البصـــر، تاركا بساطـــه الملون بشيء من القلــق على مغادرة منزلـــه كرها بالقرية، وتيمنا بالبيت الجديــــد الذي بني بسواعد الكفاح والمثابرة والاستقاظ المبكر للبحث عن لقمة عيـــش، منزل شاءت الأقدار الربانية أن يبنـى على ضفـــاف أم الربيع، قرب ضريح سيدي علي بنحمدوش الغير بعيد عن ضريح للا عائشة البحرية، بعدما قضى “العوني” ربـــع عمـــره الأخيـــر في الزهـــد وذكـــر الله، متنقــــلا ومتجولا بيــن مختلــف ما تهواه روحه السجيــــة الطيبة من زوايا في طليعتها الزاويــــة الدرقاويـــة، مجســـدا كــل أفكاره التي حملها عــن شيوخ متصوفة وفقهاء القرية والمدينة والعارفيـــن بالله في لحظة كانت وسائل الإعلام غير متاحـــة لكشف مساره الفلاحي والتجــــاري وما تبقـــــى منه لسبر أغواره الحاملة بمجموعة من القصص والمغامرات اليومية في الحياة.
فأغلـــب المناسبات والأعياد الدينيـــة والوطنيـــة تزداد اللمـــة ويجمع الشمـــل بين الأولاد الذين يتواجدون بين مدينة تمارة والرباط والجديدة…. وبين الأهـــل وأقرب المقربين منه من أصدقائه المتصوفة “أولاد باب الله ” كما كان يسميهم ويطلق عليهم رحمـــــه الله.
فالإرهـــاق وعامـــل الســـن وضعـــف البصر الذي حل به مؤخــرا لم يمنعـــه يومــــا مــن مواظبـــة قراءة الأذكـــار والاستغفـــار وقراءة الورد والتخشـــع وأداء الصــلاة في أوقاتها واستقبال الوافديــــن عليــه والإصغــــاء إليهـــــم إلــى أن وافتــــه المنيـــة رحمــــة الله عليـــــه يوم 29 مارس 2020.
عبد المغيث عيوش- تيزنيت24



