من رحاب سيدي مزال أبودرقا بدايات الفقيه كوعبلا كمارواها الشيوخ

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيدنا محمد، النبي الأمين، المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

من رحاب سيدي مزال أبودرقا بدايات الفقيه كوعبلا كمارواها الشيوخ.

حين اطّلعتُ على ما كُتب عن الفقيه الجليل سيدي محمد الرامي البعمراني المعروف ب (كوعبلا )رحمه الله، وجدت أن جلّ تلك التراجم أغفلت بداياته العلمية، ولم تُشِر إلى انتسابه لمدرسة سيدي مزال أبودرقة،بقبيلة أيت عبدالله تارودانت، التي كان يُشرف عليها والدي، الفقيه سيدي الحاج امحمد بن احمد بن الحسين الكابير الأسغركيسي الهشتوكي رحمه الله،وقد كان بين سيدي محمد الرامي البعمراني المعروف ب(كوعبلا) ووالدي مجالس تربوية، ومواقف علمية، ونوادر أخلاقية، تستحق أن تُدوَّن وتحفظ، وفاءً لتاريخ رجال القرآن، وصيانةً لسِيَر أهل العلم والصلاح،وقد دفعني ذالك التغافل إلى توثيق الموضوع لكنني لم أجد بين المعاصرين من ضبط تاريخ دخوله إلى المدرسة، فرجعت إلى شهادة والدي، الذي أخبرنا أن سيدي محمد الرامي كوعبلا التحق بمدرسة سيدي مزال وهو ابن خمس عشرة سنة وكان ذالك تقريبا في عام 1946م، وهي السنة نفسها التي بدأ فيها والدي التدريس خلفًا لوالده سيدي أحمد بن الحسين، رحمهم الله جميعًا،وبناءً على هذه المعطيات، إستنتجت وأخذت هذا التاريخ مرجعا،وطرحت منه خمس عشرة سنة فاستنتجت أن ولادة الفقيه -رجما بالغيب -كانت حوالي سنة 1931م، ثم رجعت الى سنة وفاته 2025 م،فوجدت أن عمره كان في حدود الرابعة والتسعين، وهو ما يتطابق مع ما رواه من عرفوه عن قرب.ثم دخل المترجم المدرسة وهو راعٍ بسيط للغنم، لكن لم تلبث أن ظهرت عليه علامات النجابة والجد، كان يكتب يوميًا ثلاث لوحات: واحدة للحفظ، والثانية للمراجعة، والثالثة للتثبيت،وكان لا يغادر محل إقامته إلا للصلاة، أو الطعام، أو حضور الحزب الراتب، أما بقية أوقاته فكانت بين اللوح،والمصحف،والصمت،وبعد أن ختم القرآن مرتين، أراد أن يختبر حفظه بنفسه، فخرج إلى موضع يُعرف بـ “تاكنزا”،خارج المدرسة، فقطع قضيبين طويلين من شجر اللوز، وعاد بهما إلى شيخه،فدخل عليه، فقال له والدي مبتسمًا:ما هذان القضيبان يا سي محمد؟ فقال:سيدي، أريد أن أقرأ عليك القرآن كاملًا، فإن أخطأت فاضربني بهما،فبدأ من الفاتحة، وختم بسورة الناس، في مجالس يسيرة دون خطإ أو تلعثم، فازداد به شيخه إعجابًا، وصار يُضرَب به المثل في الإتقان والصدق،والمثابرة والاجتهاد،ومن النوادر التي وقعت له،مع شيخه كذالك ،امتناعه يومًا عن أداء نوبته في خدمة الطلبة، فلما أُخبر الفقيه بالأمر، دعاه بلطف وسأله:ألا تقوم بالنوبة يا سيدي محمد؟فوعظه وذكّره،بأهمية خدمة الطلبة والفتح الذي يأتي من ذالك ،فسكت طويلًا، ثم قال:
سيدي، إنما جئتُ لطلب العلم، ياسيدي ولم يكن عندي وقت لخدمة الطلبة،فأمره الفقيه بلطف وحكمة أن ينصرف الى بيته، وفي صباح اليوم التالي، وبعد الحزب الراتب، استأذن في الإنصراف، فاستوقفه شيخه، وسأله إن كان قراره بسبب ما دار بينهما بالأمس، فلم يُجب، بل أطرق رأسه صامتًا، كعادته، فأُذِن له، ودعا له شيخه بدعاء صادق، وانصرف بهدوء،
وبعد مغادرته مدرسة سيدي مزال، إلتحق مباشرة بمدرسة أزرو بنواحي أيت ملول أكادير، فنهل من علم الشيخ سيدي محمد أرسموك،ثم بعد ذالك انتقل عند المقرئ الكبير سيدي محمد الطبيبي البعمراني بمدرسة ثلاثاء أفلا بالأخصاص، فأخذ عنه القراءات السبع ،ثم رحل إلى مدرسة سيدي الزوين قرب مراكش، فتتلمذ على يد كبار شيوخ القراءات السبع، حتى نال التمكُّن واشتهر بالإتقان،ثم استقر به المقام في مدرسة الخميس بأيت باعمران، فدرّس فيها كتاب الله بإخلاص، وتخرّج على يديه جمع من الطلبة، لا سيما من أبناء المنطقة،وفي هذه المدرسة، وقع له خلاف مع أحد الأشخاص، كان سببًا في مغادرته، فلما استؤجرت له شاحنة لنقل متاعه، صادفت في طريق عودتها ذلك الشخص على دراجته، فوقع الإصطدام ومات في الحين، وقد اعتبر بعض من عرف الفقيه هذا الحدث من كراماته، فقالوا:
خرج الفقيه في صمت، وتكلّم القدر نيابة عنه،سبحان الله، وبعد خروجه من التدريس، لم يبتعد عن ميدان القرآن، بل كان يتنقّل بين المدارس العتيقة، يُحضّر الأقلام، ويجهّز الألواح، ويعدّ الصمغ، ويُشرف بنفسه على حاجات الطلبة،وكان يزور شيخه في سيدي مزال بين حين وآخر، يشتري منه الفقيه مايحتاجه الطلبة من أقلام وصمخ وصلصال ،وغير ذالك، ثم يجتمع حوله الطلبة، يسألونه عن القراءات،كيف تُقرأ هذه الآية برواية البصري أوحمزة، فيُجيبهم بعلم وأدب وتواضع جمّ وفي الأخير،لا يفوتني أن أُسجّل عميق امتناني للفقيهين الجليلين:
سيدي الحاج إبراهيم كبير الأسغركيسي وسيدي الحاج الحسين كبير الأسغركيسي، اللذين زوداني بروايات دقيقة، وذكريات موثوقة، سمعاها من عمهما الشيخ سيدي الحاج امحمد الكابير رحمه الله، الذي كان شاهدًا على بدايات الفقيه، وواقفًا على مسيرته، وضاربًا به المثل في الجد والهمة،فجزاهما الله عني، وعن أهل القرآن، خير الجزاء، وبارك في علمهما وأعمارهما، ونفع بهما، وأجزل لهما المثوبة.

وفي الختام، نسأل الله تعالى أن يرحم الفقيه سيدي محمد كوعبلا، ويغمره برضوانه، ويجزيه عن القرآن وأهله خير الجزاء، وأن يجعل ما علّمه وبذله شفيعًا له يوم العرض، وأن يُلحقه بالصالحين، ويجعل الفردوس مثواه، آمين يارب العالمين.

الطيب بن امحمد الكابير الأسغركيسي

بلجيكا

27/06/2025

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق