
تيزنيت تفقد أحد رجالاتها..الحسين بن درامز
الحسين بن درامز
من مواليد تزنيت 1927، وهو سليل أسرة تنتمي الى قبيلة ءيداوبعقيل، من ءيدومارير قرب تاماشت. حفظ القران على الفقيه المربي سي ابراهيم أولعين بمسجد ءيضلحة. بعدها تلقى تعليمه الابتدائي بالمدرسة الإسلامية، إلا أنه عزف عن الدارسة. وكان ذا موهبة في تدبر أموره الحياتية، مبادرا الى اقتحام عوالم الأعمال، لهذا انصرف الى العمل في ميدان التجارة في سن مبكرة بإيعاز من أخيه محمد، الذي جعله ينفتح على افاق رحبة، وتمرس في خضمها على مهمات البيع والشراء، متاجرا في بعض المواد البسيطة.
استطاع الاخوان، في بادئ الأمر، كراء مقهى بفندق البشير الرحماني وذلك في أواسط الأربعينيات، قبل فتح مطعم تقليدي في الحومة المسماة ب زنقة المحكمة والمنفتحة على ساحة المشور، والذي أصبح مقصودا من طرف الآفاقين والتجار وغيرهم، بحكم قربه من الشريان الاقتصادي للمدينة.
جهلا منا ببداياته في العمل الوطني، فإن همته السياسية تفتقت في نهاية أربعينيات القرن الماضي، في سياق تبلور الوعي السياسي لذا ثلة من شباب تزنيت، ارتباطا بالأدوار الجديدة التي أصبحت تضطلع بها في ربط الصلات والوساطة بين المنطقة السلطانية ومجال النفوذ الاسباني بأيت باعمران. ويظهر أنه قد استوعب هذا التحول، وانخرط بقوة في العمل السياسي السري في اطار شبكة محلية، عهد اليها تيسير مرور اللاجئين الفارين من متابعات البوليس الفرنسي، نحو افني. وطبيعي أن سي الحسين بن درامز كانت له من صفات النزاهة والصدق ما جعله فوق الشبهات، وأهله عمله ومكانته ليحتل موقعا داخل الشبكة المذكورة. ويستفاد من عدة روايات أنه اهتدى الى تهيئة مخبأ سري داخل المقهى، عبارة عن مطمورة لإيواء اللاجئين، الذين يتم توصيلهم ليلا على متن شاحنة ءيدوبلعيد. وكانت الخطة تقتضي، بعد الاطمئنان على حالهم، التنسيق بحذر شديد مع بقية الخلية، وخاصة بيهي ند وبيضار ولاجودان أوبلخير. ليتم اصطحاب المعنين بالأمر الى قرية العوينة من طرف الحسن بن الحسين أقاريض المدعو “أموش”ومحمد ند عدي. لتتكلف بهم بعد ذلك خلية مكونة من محمد بن عبد الله إليوي ومحمد كرتان و أحمد بليوم و محمد الغزالي و إبراهيم بن علي حلبا وغيرهم ، ممن راكموا تجربة ومعرفة دقيقة بتضاريس المنطقة ،وهم من كان يشرف على عبور الوطنيين المبحوث عنهم نحو أيت باعمران عبر أيت براييم.
لما اقتربت لحظة الاستقلال، ساهم من موقع اتقانه الكتابة والقراءة في مسلسل توعية ثلة من شباب المدينة، ممن كانوا يجتمعون من حين لآخر بدار عبلا أخصاصي ب ءيدضلحة ومنزل سي العربي الادريسي أبيضار ، وكان ذلك يتم في غالب الأحيان تحت ذريعة لعب الورق أو “الداما”، بينما المقصد هو قراءة وتبسيط مضمون المناشير المحظورة وكذا ما كانت تكتبه الصحافة آنذاك. واعتبارا لما للجانب التوعوي من أهمية، فإنه تجند بمعية مناضلي الحزب آنذاك: بيهي ند وبيضار ، العربي أبيضار – عبدالله مصدق – العربي أو الناجيم- عمر أجرار- أومريبط –المعلم الناجم بكار –حسن أوعابد شوقي – محند ككاس –الحسن أوالعوينة، الحسن أجرار…) في إيصال المناشير والبلاغات الصادرة عن المنظمات الموازية الى أكبر عدد من ساكنة المدينة . وفي ذات السياق وظف بعض الأشخاص خاصة ” سي حدو” المنفي الى تزنيت، في جمع المعلومات عن خطط الإدارة الاستعمارية، وشكل مصدرا لا محيد عنه، في تخطي عيون المخبرين.
ورغم استحضار كافة الاحتياطات اللازمة لإنجاح مثل هذه العمليات، فإنه لم يسلم من متابعات عيون السلطات المحلية، التي تمكنت من الوصول اليه وتوقيفه في ثلاثة محطات ما بين 1952-1955.
وفي لحظة وصول بعض قادة جيش التحرير الى تزنيت، كان من الأوائل المرحبين بهم بدار المرحوم السيد العربي الادريسي وما إن بدأ هؤلاء في استهداف بعض الأعيان والقياد بشكل اندفاعي، وفي حماس زائد، حتى توارى عن الأنظار كموقف معارض للتجاوزات التي شابت هذه الفترة. وظل مع ذلك محافظا على علاقاته مع الكثير من رموز هذا الجيش، وكانت له زيارات متقطعة للصحراء وايت باعمران . لذلك كان محل تقدير من هؤلاء لسعة صدره ونزاهته.
بعد الشرخ الذي تعرض له حزب الاستقلال سنة1959، بميلاد حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ظل وفيا لمبدأ الديموقراطية والعدالة الاجتماعية، محافظا على علاقات طيبة مع الكثير من رفاقه في النضال، يستشار في الكثير من القضايا، دون أن يقحم نفسه في متاهات السياسة. ظل على هذا الحال الى أن توطدت علاقته ب محمد آجار وابن عمه، وهما من أعمدة الحزب الشيوعي المغربي بقيادة الزعيم علي يعته. واعتاد زيارتهما من حين لآخر بالدار البيضاء، وكانت له عندهما منزلة خاصة، ويعامل بما يليق بمقامه من احترام وتقدير. ويبدو أنهما أفلحا في انضمامه الى الحزب، الذي تأقلم سريعا مع مبادئه، وأضحى من أعمدته بالجنوب المغربي.
مهما يكن من امر، فإنه سرعان ما توارى عن الأنظار، وانشغل بخويصة نفسه مدة من الزمن، قبل أن يلج العمل الجماعي كمستشار في الفترة الانتدابية 1977-1983 بصفة لا منتمي.
شكل سي الحسين بن درامز أحد وجهاء مدينة تزنيت، ممن اقتحموا عالم التجارة، مساهما في نهضتها العمرانية، مشرفا على انجاز مشاريع تنموية، في اطار الطفرة التنموية التي شهدتها المدينة لحظة ارتقائها الى مركز إقليم في سنة 1975، وكل ذلك بعزيمة متقدة لا تمل. على مكانته وريادة أعماله، ظل متواضعا قنوعا، مطبوعا بالصدق والورع، بعيدا عن كل شهرة أو تماهي، ومثل بذلك بصمة بارزة لا تمحى في تاريخ وذاكرة تزنيت المعاصرة، الى أن أسلم الروح لبارئها عن عمر يناهز 97 سنة.
بقلم ذ أحمد بومزكَو




