
محمد بن أحمد الجبابدي الرجراجي دفين مدينة تيزنيت
بمناسبة انعقاد موسم العالم الصالح سيدي عبدالرحمان دفين تزنيت، نتشرف بتقاسم شذرات بيوغرافية عن شخصيتين تزنيتيين يحتضنهما ضريح الشيخ سيدي عبدالرحمان :
1..محمد الجبابدي
إزداد الفقيه محمد الجبابدي بمراكش عام 1877، وبها نشأ داخل احدى البيوتات الشهيرة بالفضل والعلم والصلاح، يتصل نسبها بأصول ركَراكَية. وبعدما حفظ القرآن الكريم وجملة من المتون الدينية بمراكش، التحق بجامع القرويين بفاس، حيث أكمل تعلم مبادئ اللغة العربية والعلوم الدينية على يد عدد من أكابر المشايخ ممن يشار إليهم بالرسوخ والاتقان. كان رحمه الله عالما عدلا، ضليعا في علوم الدين والفقه واللغة، وعد من الكتاب المجدين. ويبدو من خلال شهادة تزكيته لخطة العدالة بتاريخ 15 أكتوبر 1911، أن هناك اجماع لثلة من علماء مراكش على كفاءته وجديته، وحلوه بأوصاف تنم عن مكانته وشفوف قدره وشرف مكانته.
وقد أهله علمه ومكانته ليحتل موقعا متميزا داخل جهاز الدولة، حيث قضى في خدمة المخزن ما ينيف عن خمسين سنة، وخلالها تقلد مناصب إدارية سامية، ككاتب لدى مخزن مولاي عبد العزيز عام 1904، ثم التحق بشؤون الجبايات بالقصر الملكي بفاس. وبعد فرض الحماية على المغرب عام 1912، عد من خواص العلماء الملازمين للسلطان مولاي يوسف، حيث تقلد منصب الوزير بالكتابة الخاصة. وعلى قدر هذه المكانة، انتدب للمشاركة ضمن الوفد السلطاني إلى باريس سنة 1926، وهي السنة التي دشن فيها السلطان مولاي يوسف المسجد الكبير بباريس.
وبفضل ما كان يتمتع به من دراية وحنكة إدارية، استطاع الانخراط في عدة مناصب ومهام قضائية بكل من محكمة الباشا بمراكش ثم ولي قاضيا بالمحكمة العليا، فمسؤولا بالأملاك المخزنية ثم بوزارة الشؤون المالية مع الحاج عمر التازي، ثم انتقل كاتبا بديوانية الجديدة، قبل أن يعين كاتبا ساميا بالصدارة العظمى. وتقديرا لعطاءه الإداري والوطني، حاز عام 1926 على الوسام العلوي اليوسفي من الدرجة الرابعة برتبة ضابط.
ولما ولي مولاي الحسن بن يوسف خليفة على تزنيت عام 1934، بعد وفاة مولاي الزين بن الحسن، قدم المترجم اليها، كوزير للخليفة السلطاني الجديد خلفا لإدريس بوستة، وذلك بعد أن حظي بثقة السلطان محمد بن يوسف، تقديرا لجليل خدماته بدار المخزن.
استقر الجبابدي عند حلوله بتزنيت بإحدى دور القائد مبارك بن همو التزنيتي الكائنة بقصبة تيزيكي، التي سرعان ما أضحت مجمعا للفقهاء والوجهاء، وفيها كان يستقبل رجالات المخزن المعينين بالمدينة، فضلا عن كبار رجالات المدينة والنواحي. وكانت مهامه موزعة بين العمل في القصر الخليفي بساحة المشور باعتباره مسؤولا عن كل التشريفات والاستقبالات، والعمل في البيت حيث اتخذ غرفة كبيرة فيه مكتبا له، ومجلسا يستقبل فيه ضيوفه والوافدين إليه من جميع الآفاق؛ وبها يعتكف في تحرير الاستدعاءات والرسائل السلطانية نيابة عن خليفة السلطان. ويظهر أن الوزير الجبابدي من خلال ذلك، كان لا ينقطع في ملازمة الخليفة في مستقره وترحاله؛ ويسر له موقعه بالقرب من مصادر القرار بدار المخزن من القيام ببعض الأدوار والمهام الرسمية داخل سوس وخارجه. وهو ما ساعده على ربط علاقات مع أعيان ووجهاء المدينة ورؤساء القبائل، وبفضل هذه العلاقات برز اسمه مع مسعى مركز تزنيت لشد حبل الوصال بين زعماء سوس والمخزن.
عرف بشغف كبير باقتناء الكتب والمخطوطات، ولا يكاد يفتر عن المطالعة والتقييد، وتحصلت لديه داخل نفس الغرفة مكتبة كبيرة طافحة بالكتب وخاصة المخطوطات التي انتسخها بخطه الجميل، أو التي بذل في اقتناءها مجهودا كبيرا، وغالبتها استلمها الأستاذان محمد الفاسي ومحمد زنيبر فيما بعد.
والحاصل أن صاحب الترجمة كان من أجل علماء الوطن ومن مفاخرهم، عرف بالاستقامة والحزم والنزاهة، كريم المائدة، عطوفا على المساكين؛ محافظا متشبعا بالقيم الدينية والوطنية، مما دفعه إلى عدم تسجيل أبنائه وبناته بمدارس المستعمر، حريصا على تكوينهم بالبيت على يد فقهاء ومعلمين وتحفيظهم القرآن بجامع آيت محمد. كما كان معروفا بتواضعه وزهده في الحياة، حتى إنه لم يكن يستعمل قط سيارة الدولة الموضوعة تحت إشارته مع سائقها، مفضلا التنقل على طريقة ساكنة المدينة. وبهذا الشكل أصبحت له وجاهة عند العامة والخاصة، وتوطدت علاقاته بساكنة تزنيت، وصار مقصودا من أجل قضاء مآرب البعض منها. ومما يزكي ما سبق هو ما انطوى عليه كلام محمد المختار السوسي (خلال جزولة ج1 ص:122) من دلالات ومعاني، أثناء ملاقاته ليلة يوم الجمعة 15 ماي 1942، بإحدى الدور الكبرى بالمدينة على الأرجح، بحيث لم يمر لقاءه مع المرحوم الجبابدي، الذي نعثه ب ” وزير الخليفة السلطاني ” وحلاه ب ” حسن الملاطفة … ووصفه بكونه ” هادئ الطير، منحاش الى العزلة “، دون أن يلمح اليه الوزير بإشارة بليغة، يفهم منها مشاطرته حزن وأسى الجميع في محنته، لحظة نفيه الى مسقط رأسه ب إلغ، كما أبدى ثناءه على فضائل السوسي على مدينة تزنيت. وهو ما يمثل مؤشرا دالا على مستوى صلات الوزير القوية بعلماء وأعيان المنطقة، فضلا عن تشبته وحرصه على الوطن ورجالاته الأفذاذ المخلصين. كما تكشف عمق استيعابه لدقائق الوضع آنذاك، بناء على التكامل الحاصل بين عدد من رموز المخزن ورواد الحركة الوطنية؛ وهو التكامل الذي تجسد في المواقف الوطنية التي ابداها السلطان محمد بن يوسف في أكثر من مناسبة.
توفي رحمه الله يوم الثلاثاء 14 نونبر سنة 1950 عن نحو ثلاث وسبعين سنة، وثوى الى مثواه الأخير بضريح سيدي عبد الرحمان إلى جوار مدفن خليفة السلطان مولاي الزين، وهذا ما يبين مكانة هذا الرجل الاعتبارية، ولما كان يحظى به من تقدير واحترام.
2 عبد الرحمان بن أيوب
عبدالرحمان بن أيوببن الحنفي الزغاغي، حسني النسب، ينتسب الى الادارسة عن طريق علي بن ادريس الازهر، ما زال مدشر أسرته محتفظا بنفس الاسم من قبيلة إيسي بنواحي تافراوت، لا يذكر للشيخ ذرية إلا من جهة شقيقه علي. لم يترجم له أحد من أصحاب كتب التراجم، بيد أن ما يبدو من خلال الروايات الشفاهية أنه ترك مستقر أهله، وارتحل لطلب العلم والصلاح، فأقام مدة ب تازروالت ، مصاحبا شيخه سيدي حماد أوموسى السملالي ، وعد من كبار مريديه .و بإيعاز من شيخه ، ألقى عصا التسيار ب تيزنيت واقام بها زمن السعديين ، خلال النصف الثاني من القرن السادس عشر/ نهاية القرن العاشر الهجري. ويبين الرصيد الوثائقي لنفس المرحلة أن الشيخ سيدي عبد الرحمان كان موثقا متمكنا من ناصية اللغة العربية، وتصدر للتدريس والامامة بمسجد ءيدزكري. وكان على جانب من الفضل والصلاح، وللتيزنيتيين فيه اعتماد واعتقاد كبيرين. لهذا عظموه واعترفوا بفضله بعد وفاته في النصف الأول من القرن السابع عشر، ودفن بالأكمة المطلة على واد توخسين، الى أن أقيمت على ضريحه قبة بأمر من السلطان مولاي الحسن الأول. ولمقامه حرمة، يقام حوله موسم ديني-اقتصادي خلال شهر غشت من كل سنة، يؤمه الواعدون والزوار من كل الافاق.
ذ أ. بومزكو
ذ أحمد بومزكَو




