روبورتاج.. الرحل و سواسة : كيف انتهت عقود الوئام فحل الصدام؟!

[0 تعليق]

تحولت العلاقة بين الرعاة الرحل والمقيمين بمنطقة سوس خلال السنوات الست الأخيرة إلى صراع دموي ارتدى في بعض تجلياته لبوسا عنصريا، تجسد من خلال مواجهات مباشرة بين الساكنة والرحل استعملت خلاله العصي والهراوات والمقالع، وأشهر خلاله بعض الرعاة بنادق الصيد.

لم تبق نقطة من سوس لم تعرف توثرا، بإمجاض بسيدي إفني وبجماعة الساحل والمعدر الكبير بتيزنيت، كما بمنطقة القصبة وهلالة بإقليم اشتوكة أيت باها، وبتاوردانت… مواجهات أسفرت عن قتلى، وعن إتلاف حقول وأشجار الساكنة المستقرة، وعن تسميم قطعان للرحل وتعنيف مجموعة من اهالي المنطقة وتصوير حصص تعذيبهم ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

هناك اختلال واضح في هذه العلاقة الجديدة بين الرحل والساكنة، عاش الرحل بمنطقة سوس مع أهلها في سلام ووئام، تقاسموا الزرع والضرع، طيلة أزمان سحيقة يرجع بها البعض إلى عهد الدولة المرابطية والموحدية والسعدية، ظلت العلاقة وطيدة من سبعينياتا لقرن الماضي، وإلى غاية بداية الألفية الثالثة، عاش الرحل مع المقيمين تصاهروا فتمازجت دماؤهم وألسنتهم، واليوم أصبح التوثر سيد الموقف معارك يومية بين المستقرين والرحل حول الماء والكلأ والمعابر والمسالك سرعان ما تتخذ أشكالا عنصرية لم يكن لها قبيل خلال ذلك الزمن الجميل.

ماذا تغير فوق التربة السوسية، حتى غاب الوئام، وحل محله سفك الدماء الممزوج بعنصرية مقيتة، تهدد بالدوس على علاقات تاريخية وطيدة سادت بين ساكنة الصحراء و”سواسة”؟ كيف تمكنت الأعراف من ترسيخ وتجسيد تلاحم المغرب من خلال تنوع لهجاته وثقافة ساكنته، بينما لم تتمكن القوانين والأموال الموظفة مؤخرا من ضبط هذه العلاقة المتوثرة بين الرحل والمقيمين؟.

الرحل والمقيمون كنا وكنتو وصرنا وصرتو

للجواب عن هذا السؤال وغيره كان لا بد من النزول إلى الأرض لفهم هذه العلاقة المتوثرة من خلال الحديث إلى الساكنة المقيمة، والرحل العابرين، وإلى المجتمع المدني كما إلى سياسيين، وكان لزاما طرق أبواب إدارة مصالح وزارة الفلاحة لطرح السؤال المحوري:

لماذا لم تتمكن القوانين والمراسيم التنظيمية من الإحلال محل العرف والحد من انتهاكات الرعي الجائر، وحفظ ممتلكات الناس، وتمكين الرحل الحقيقيين من الاستمرار في القيام بظاهرة الترحال السائرة في طريق الانقراض، وحمايتها والحفاظ عليها عن طريق دعم من ورث المهنة عن قبيلته وأسرته أبا عن جد.

بإقليم اشتوكة أيت بها كان اللقاء بخالد ألعيوض الجمعوي والمثقف ابن اشتوكة أيت بها المهتم بشجر الأركان عاش وما زال بقلب البادية وعايش عادات الرحل وتقاليدهم وسكينتهم وتساكنهم بين أهل سوس، كان الحديث معه شيقا وهو يكشف الطيبة التي سادت بين السكان والرحل خلال ذلك الزمان الجميل، يتذكر خلال السبيعينيات كيف كانت أسرة الرحل تتكون من الجد والآباء والأبناء والحفدة معززة في حلولها وترحالها.

يعترف ألعيوض بأن صراعات السنوات الأخيرة تحولت بالفعل إلى أشكال دموية، فواكبتها احتجاجات مند بداية الألفية الثالثة من خلال وقفات وتنسيقيات واحتجاجات متفرقةـ اسفرت بدورها عن ميلاد تنسيقيات كبيرة أعطت مواقف كبيرة وهناك مذكرات تقدم بها برلمانيون.

يؤكد هذا الفاعل الجمهوي بأن منطقة سوس شكلت ثنائية السهل والجبل، المنطقة الجبلية استقر بها الرحل مند القديم، بينما المناطق السهلية حديثة الاستقرار. وحاليا تتمركز القبائل العربية في سهل اشتوكة، كانت في معظمها قبائل راحلة مثل بن كمود والروايس والعزيب والدويرة وسيدي الرباط وأولاد النومر وأولاد ميمون…

قبائل جاءت عبر دفعات، فهناك قبائل لا يتعدى استقرارها مائة سنة، وهناك أخرى يمتد تاريخ استقرارها باشتوكة بين أربعمائة وخمسمائة سنة، ويؤكد ألعيوض على شح المصادر التاريخية الموثقة لهذه القضية.

والمهم بالنسبة إليه أن هذه القبائل استطاعت أن تتعايش وأن تستقر وأن تأخذ هوية هذه المنطقة، من خلال الثنائية اللغوية بين العربية والأمازيغية المتواجدة بقوة بسهل سوس

أيام ” الفريك”

كلما اشتد الجذب كلما كثر الترحال، أو ما يسميه رحل الجنوب ب” الفريك ” والذي لا يتجاوز سبعة إلى خمسة خيمات، تأوي الأسرة الممتدة التي تضم الجد والجدة والأب والأم والأعمام والإخوة، تمتلك إبلا لا تتعدى ثلاثة جمال لنقل الأمتعة، وفي الغالب يعيشون على تربية الأغنام والماعز، يحلون بالمنطقة بعد التفاوض مع الأسرة المستقبلة، وغالبا ما يكون ذلك بشكل متوارث يرثه الأب عن الجدة فيورثه للابن، ويبقى العرف ساريا بين ” الأسرة الممتدة الفلانية التي تحل بمرعى أيت أوفلان ”

وفي هذا الإطار يؤكد ألعيوض بأن هناك عرفا راسخا أرسى دعائم التعايش والتساكن والاستثمار الأمثل والمستدام للموارد المحدودة بالنسبة للرحل والمستقرين، كانت الإمكانيات محدود بالنسبة للطرفين واستطاعوا تدبيرها فيما بينهم، فهناك المرعى المشترك الذي يسمى ” أكدال أو المحروم ” يستغل بموافقة الاسرة المستقبلة.

وبعد الحصاد تسمح لهم الأسر بالرعي وسط ” لحصيدة” بتنسيق تام بين الأسرتين في غياب تام للفوضى، كما تتيح الأسرة المستقرة للأسر الراحلة الحق في توريد الماشية والسقي بشكل منظم من خلال فتح الآبار بشكل منظم. يحترم الرحل وقت تزود نساء الدوار بالماء وتحل نوبتهم عندما يكون البئر شاغرا، فهناك – يخلص خالد ألعيوض- التدبير الأمثل المشترك للمجالـ مع احترام تام للخصوصيات الثقافية والإثنية لكل طرف.

ساد العرف بين الأسر الراحلة والمستقرة، يتم مقايضة المجال الرعوي برأس من الماشية، أو بتنيظم معروف بالمنطقة، وإعطاء هدايا للمدارس القرآنية المبثوثة عبر تراب سوس، تأوي طلبة العلم الوافدون عليها من داخل المغرب وخارجه. ويتذكر ألعيوض كيف سادت ثقافة التعايش لأن الساكنة تعرف أن الحاجة هي من دفعهم ليغادروا قبائلهم ،كما، سادت العلاقة الطيبة بين هؤلاء العابرين والمستقرين، ونتج عنها تزواج ومصاهرة بين الطرفين.

من رحل بدو إلى مقاولات متنقلة

يلاحظ ألعيوض أن الرحل بالمفهوم الأنثروبولوجي والسوسيولوجي لم يعد قائما أصبحنا نشاهد شاحنات كبيرة تنزل قطعان رؤوس الماشية ثم يليها قطيع مشكل من مئات رؤوس الجمال، غابت المرأة والشيخ والطفل المرافق لهذه القطعانن ومجموعة من الرعاة ببنية قوية نجدهم مستعدين لكل شيئ، بما فيه العنف المادي والرمزي مجهزين بالطالكي وولكي والطاقة الشمسية ، يمشطون السهول والجبال بسيارات رباعية الدفع.

التجول بين اشتوكة وتارودانت وتيزنيت وإفني كشف بالعين المجردة أن المنطقة أصبحت أمام استثمار متحرك لرؤوس أموال تجد في الرعي الكبير موردا ماليا ضخما يؤدي للاغتناء، فأصبح التنقل من مكان إلى مكان عشوائيا لا يحترم الخصوصيات التي بني عليها الترحال وتحدث عنها خالد العيوض.

مئات القطعان تتجول بين ” ربى وجبال وسهول أرض مولانا” في مناطق غاب عنها الماء وتعتمد ” المطفية ” لتخزين مياه الأمطار، يقوم بعض الرعاة بفتح أقفالها واستنزاف مخزونها فتنشب المواجهات.

وكان ألعيوض كشف بالملموس وجود ظاهرة الترحال العادي، نظمها العرف ونظمتها القبائل ولم تكن تطرح أي إشكال إطلاقا،هناك الظاهرة الجديدة المتجسدة في الرعي الجائر واستنزاف خيرات المكان

الرعي داخل المدينة

دخل الرحل رسميا إلى قلب مدينة أكادير، تتعامل السيارات مع الجمال كما يعامل الهنود أبقارهم، فأصبح عاديا أن ترى قطيعا من مئات رؤوس الجمال يتجول بالحي المحمدي،وقرب المستشفى الجهوي الحسن الثاني كما بين التجزئات السكنية يسير بالشوارع على شاكلة الأفلام الموثقة للفتوحات الإسلامية كما وصلت قوافل الجمال إلى سوق الأحد اليومي عبر وادي لحوار المجاور له.

وقد طالبت جمعيات نسائية تشتغل في مجال الأركان بتنزيل بنود قانون الرعي والترحال الذي صادقت عليه الحكومة المغربية مند سنة 2016 ، وعزت هذه الجمعيات ضرورة التسريع لتوقيف الصراع  المحتدم بين الرحل والمستقرين حول استعمال مجالات للرعي بإقليم سوس حيث اشتدت المواجهات بتيزنيت واشتوكة ايت بها كما بإقليم تارودانت.

المجلس الإقيليمي لتيزنيت بدوره تفاعل مع انتظارات الساكنة المطالبة بحماية أراضيها الخاصة، فصادق في أطار دورة استثنائية سابقة على ثمان توصيات بشأن ظاهرة الترحال المستفحلة بهذا الإقليم، من بينها رفع ملتمس رسمي إلى وزير الداخلية بخصوص حماية حق الرعي لذوي الحقوق في مجال الأركان

الكلمة للرعاة

هي لازمة يؤكد عليها بعض الرحل الأرض ” أرض مولانا” بهذه العبارة يؤكدون أحقيتهم في الضرب في ارض الله الواسعة دون حسيب أو رقيب، بالمقابل آخرون لم يترددوا في طلب الصفح من السكان المستقرين الذين آووا جمالهم فوق ارضهم، من جبل صاغرو ، جاء لحسن الشيكر إلى منطقة ايت اعميرة يقول بأنه رحال ابن رحال انتقل أجداده عبر المغرب كله حسب المكان الذي يتوفر الكلأ “.

وأضاف أجدادنا رعاو بأفريقيا كلها في السابق، وعن اختياره لهذا المكان يعترف بقوله” قريب مني سوق اثنين هلالة من أجل شراء الاعلاف والمؤونة، ولبيع بعض رؤوس المواشي، ويؤكد بأن الكلأ متوافر بقرب هذه المنطقة السقوية. يؤكد هذا الرحال أنه لم يختر طوعا القدوم إلى هذه المنطقة وأن الجفاف وقلة الماء هي التي جعلته يترك بلدته بحثا عن الكلأ.

من الصحراء جاء محمد ولد المختار، حط على مشارف أكادير يقول ردا على سؤال لماذا حللتم بهذا المكان” والو ما كايناش الرعية، وهاذ الجبل كولو عامر” يجيل النظر ولد المختار، ثم يشير إلى جبال الدراراكة المجاورة للمدينة، أعياه البحث عن موطئ قدم بتزنيت واشتوكة فحل بأكادير.

بعد لحظات صمت يضيف ” جئت مكرها باحثا عن عشب يطفئ جوع جمالي كل أملكه في هذه الدنيا” يلقي باللائمة على الحكومة فيقول ” إنها لم تستطع توفير مساعدات للكسابة والرحل بالمناطق الجافة تغنيهم عن الترحال، وتجنبهم المواجهات مع الأهالي بمناطق سوس”.تولى ولد المختار رعي الجمال، وتفرغ ابنه للبحث عن مرعى لم يتم شغله بعد من قبل رحل قدموا من الجنوب، أو مرعى لا يخلق مشاكل مع ساكنة المنطقة التي تستغل المجال الأرضي وتمار شجر الأركان.

هناك رحل بسطاء يعيشون على الترحال والعيش البسيط،،وهناك مضاربون في الجمال يمتلكون شاحنات وسيارات رباعية الدفع، يغزون كل المروج المنتشرة عبر التراب الوطني..تم اللقاء ببعضهم يشكون الجيل الثاني الذي ساهم في انتشار الرعي الجائر.

من بينهم سالم في بداية الثلاثينيات من همره يصر على أنهم”مجرد خدامة بعرق جبينهم”، وأن مالك قطيع الجمال يشغل خمسة أفراد ما يعني خمسة أسر تبحث عن قوت أسر يصل مجموع أفرادها 17 فردا، ولولا هذه الفئة من الكسابة التي نشرت جمالها ما وصلت لحوم الجمال والماعز لكل البيوت، وحققنا الاكتفاء الذاتي”

الرحل بإداوكنضيف بإقليم اشتوكة يلقون باللائمة على المسؤولين الذين بحسبهم “لم يوفروا لهم الأعلاف المدعمة، فالشعير يحتكره التجار، والأدوية يحتكرها البيطريون” وعن علاقتهم بالسكان المستقرين يقولون عنهم بأنهم “ناس طيبين وخيارت بيهوم “ويعترفون بأن هناك تجاوزات من الرحل، وكذلك من المستقرين، وكشفوا بأن مجموعة من الرحل سممت شياههم، فمات جزء من قطيعهم أمام أعينهم، بالمقابل هناك بعض الرحل الذين يعتدون على ” حرمات الغير، كأن يستعملوا المياه المخزنة بالمطفيات في توريد إبلهم خلسة”.

يعترفون بأن الجمال دهست البصل والجلبان، والتهمت جانبا من أشجار الخروب واركان، كما أتت على جزء من مشاريع الأخضر خصوصا الصبار ويعتبرون ذلك ضررا جانبيا لم يكن عن قصد.

الرحل والمقيمون حل الصدام بعد عقود من الوئام

حل الرعي الجائر محل الترحال في أبهى صورهن فكان الإصطدام، مواجهات جرت أمام أعين الدرك الملكي بقصبة السطايح باشتوكة. فخلال شهر ستنبر الأخير شهدت منطقة “سطايح” في الجماعة الترابية لبلفاع، ضواحي اشتوكة آيت باها، إصابة ثلاثة أشخاص بجروح متفاوتة الخطورة، على إثر هجوم نفّذه مجموعة من الرحل على شباب من المدشر

ساكنة دوار “توريرت آيت بولعيش” بمنطقة تسكدلت الواقعة في الدائرة الجبلية لإقليم اشتوكة آيت باها، بدورها خرجت للتصدي اللرعاة الرحل. فأُصيبت سيدة بجروح بعد تعرّضها للرشق بالحجارة، نُقلت إثرها إلى المستشفى الإقليمي المختار السوسي بمدينة بيوكرى.

وخلال شهر فبراير من السنة الجارية شهد دوار تقسبيت بالجماعة القروية بلفاع، اقليم اشتوكة أيت باها، حالة من الاستنفار الغير المسبوق استعملت فيه طائرة “هيلوكبتر” بعد احتجاز شخصين ، و قطع الطريق بالأحجار والآجورفأدى ذلك إلى اندلاع اشتباكات بين سكان من البلدة و مجموعة من الرعاة الرحل استعملت فيها الأحجار والهراوات، وتسببت في قطع الطريق الإقليمية 1016 أمام حركية السير، وهو ما فرض استنفار أزيد من مائة رجل من القوات العمومية بعين المكان، واستخدم الدرك الملكي طائرة هيلكوبتير، لمراقبة تلك الاشتباكات.

بتارودانت وتحديدا بجماعة ايت عبد الله تعرض مواطن إلى عنف جسدي ظل عليه إلى أن توفي. وعرف كذلك دوار تبوزيد بجماعة تمليلين باقليم تارودانت، مواجهات دامية مع الرعاة الرحل الذين حلوا بالمنطقة رفقة ماشيتهم، استعملت فيها الأسلحة البيضاء والحجارة والعصي، حيث نقل بعض الجرحى إلى قسم مستعجلات المستشفى الاقليمي بتارودانت لتلقي العلاجات الضرورية.

وفي منطقة إدوسكا بضواحي إقليم تارودانت، أشهر الرعاة الرحل سيوفا في وجه الساكنة المحلية عند محاولة مزارعين ثنيهم على مواصلة مواشيهم الاعتداء على المستغلات الزراعية ومصادر المياه وأشجار الأركان واللوزوقد تدخلت السلطات لتفريق المواجهات.

مسؤولو وزارة الفلاحة: نحن واعون بالمشكل

معارك ومواجهات واحتجاجات هنا وهناك الكل يلقي باللائمة على المسؤولين وعلى الحكومة بالتحديد، عدة أسئلة مطروحة عليهم وكان لزاما على مصالح وزارة الفلاحة بالجهة الإجابة عنها، كان اللقاء لهذا الغرض بالمديرية الإقليمية للفلاحة بتيزنيت الإقليم الذي عرف ضررا كبيرا من الرعي الجائر،.

حسن خالدي إطار بقسم إنجاز المشاريع بهذه الإدارة كان مطوقا بجملة أسئلة، وقبل الإجابة عنها كانت الجولة معه أولا بمشروع كبير أعد للرحال على مستوى جماعة المعدر الكبير بمدخل مدينة تيزنيت. طريق واسع هيأته وزارة الفلاحة يقود إلى المنطقة الرعوية المهيأة، يقسم الطريق المراعي إلى واجهتين.

وبعد حوالي أربعة كيلومتر عبر ألفي هكتار مغروسة بالنباتات العلفية تلوح في الأفق مرافق وضعت رهن إشارة الرحل، خزان للماء مربوط بآبار وحياض لتوريد الماشية، وإلى جانبه مظلات معدنية كبيرة لقيلولة القطيع بعد الشرب، إلى جانب مرافق للاستحمام والنظافة بنيت بشكل هندسي جميل،مربوطة بالطاقة الكهربائية.

يدخل المشروع في إطار البرنماج الوطني لتنمية المراعي بالجماعة القروية المعدر الكبير، حيث تتهيأ الوازارة لفتحه في وجه قطعان الرحل عندما تنمو النباتات المزروعة فيه، يمتد على مساحة ألفي هكتار خاص بالأشجار العلفية، وقد أعطى أخنوش خلال الدورة الثالثة لمهرجان الرعي الانطلاقة  لإشغال بناء مركز إنتاج البذور الرعوية بهذا المكان وتعد هذه الخطوة سابقة على المستوى الوطني. ستخصص منها 9500 هكتار لغرس نباتات علفية.

وذكر أخنوش عند زيارة هذا المشروع أنه يدخل ضمن المشاريع السوسيو اجتماعية التي تسعى للمحافظة على المكتسبات التي تشبع بها المجتمع المغربي،كما تأتي بعد إصدار القانون الخاص بالترحال الذي جاء لحماية الرعاة وضمان تنقلاتهم حول المراعي، وتوفير أماكن الراحة لهم ، وفي نفس الوقت للمحافظة على ممتلكات المستقرين، وأضاف أن من شأن هذا الاستثمار ان يضمن الاستقرار للسكان والرحل.

نهاية الفوضى

أكد حسن خالد الإطار بالمديرية الإقليمية عند زيارة هذا النموذج أن الرعي بموجب القانون الجديد المنظم للرعي والترحال اصبح مطوقا بالترخيص المسبق، لا يمكن للراعي أن يحمل قطيعه متى شاء وأن ينزل أينما شاء.

وأضاف أن المشروع منح وزارة الفلاحة صلاحية تسليم الترخيص الخاص بالترحال الرعوي لقطعان الماشية، بعد دراسة الطلبات التي يتقدم بها المعنيون بالأمر، مع تحديد مدة الاستفادة من الترخيص في سنة واحدة تحدد خلالها بدقة الفترات التي يسمح فيها للمعني بالأمر بالرعي.

تنمية المراعي الذي تسهر عليه وزارة الفلاحة يؤكد حسن خالدي جاء استجابة لمشكل الرعي الجائر المستفحل بالإقليم وهو ثمرة دراسة مستوفية شملت قطاع تربية المواشي والرعي وما يرافقها من ترحال يقوم به مربي الماشية من الجنوب نحو الشمال او العكس.

منطقة سوس كانت منذ زمن بعيد ممرا للقوافل والرحل، وفق نظام متوافق عليه ذا حمولة اجتماعية مبنية على العرف ومواثيق القبائل.

وأضاف أن العلاقة التاريخية مع الرحل كانت مبنية على توافقات وأعراف وإجراءات عملية تنظيمية كادت أن تكون قريبة لعلم إدارة المراعي منها العرف والاتفاقيات حول المرعى واستغلال المياه، وتحديد الممرات (أسكا) ومراقبتها عن طريق مجلس (انفلاس أو انفكورن)، يتم تحديد مكان ومدة المكوث ، وتنظيم العلاقات التجارية عبر الأسواق المحلية، احترام المجالات المغلقة (اكدال ، أوقات الجني ومناطق الحرث..)

وكشفت الوزارة يؤكد خالدي أن بروز ظواهر مشينة عكرت صفو هذه العلاقات المتجذرة في التاريخ فأدت إلى اختلالات في الأنظمة الرعوية التقليدية وظهور خلافات بين الرعاة الرحل والساكنة المحلية وصلت الى حد الفعل الإجرامي والتهديد.

هذه المستجدات عجلت بخروج برنامج تنمية المراعي وتنظيم الترحال كحل ناجع لهذه المعضلة ويرتكز هذا البرنامج في تنمية المجالات الرعوية وتقوية بنيتها التحتية لتستجيب لمتطلبات مربي الماشية مما يجعلهم في استقرار دائم كل في جهته وفي حالة ضرورة التنقل لدواعي الجفاف، يتم تنظيم الترحال الرعوي عن طريق التراخيص، وبموجب القانون الجديد يتم تنظيم مربي الماشية في اطار قانوني (جمعية او تعاونية ممثلة لهم) وتقوية القدرات في مجال تربية الماشية وادارة المراعي.

مع العمل على تهيئة المجالات الرعوية المتدهورة والقيام بعملية إراحتها من اجل التجدد مع تعويض مستغليها من مربي الماشية اثناء فترة الإغلاق بالشعير كعلف لماشيتهم، كما يتم اعادة غرس المناطق المستهلكة والتي تأثرت بشدة نتيجة الرعي الجائر.

واضاف أن هذه التدخلات تصاحبها عملية احداث وتجهيز نقط الماء لإرواء الماشية دون اغفال تهيئة وتسهيل الولوج من والى المجالات ببناء المسالك القروية. للولوج الى المجالات الرعوية المحدثة تم انجاز ما مجموعه 84 كلم من المسالك القروية بالجماعات الترابية “تاسريرتو المعدر الكبيرو سيدي احمد اوموسى.

كما تم اقتناء آليات نقل التلاميذ لدعم التمدرس لفائدة أبناء الرحل في انتظار تسليمها للتعاونية الرعوية الممثلة لذوي الحقوق في المجالات الرعوية المعتمدة .

كما تم التفكير في تحسين الخدمات الصحية للساكنة باقتناء سيارات اسعاف تكون تحت تصرف الجماعات الترابية المعنية بالمراعى .

الرحل في أرقام

يمثلون حوالي 7 في كل 10 آلاف نسمة 95 بالمائة من الساكنة المعتمدة على الترحال تتمركز بالجنوب والشرق بدرعة وتافلالت وكلميم واد نون والساقية الحمراء وجهة سوس ماسة

بلغ عددهم خلال إحصاء 2014 ما مجموعة 25 ألف 274 ، بينما كانو في حدود 68 ألف و 504 خلال سنة 2004

تضاءل عددهم خلال عشر سنوات بنسبة 63 بالمائة ما يؤشر أن هذه الفئة في طريقها نحو الانقراض

47 بالمائة من الرحل في سن دون العشرين، 65 بالمائة دون سن الثلاثنين 84 بالمائة من الرحل أميون لم يتلقوا أي تعليم.

إدريس النجار ومحمد بوطعام

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات