كونوا عونا لأبنائكم على بركم. بقلم : عبد الفتاح هدارين

(رحم الله والدا أعان ولده على بره ) 1. حديث نبوي شريف اخرجه ابن حبان في كتاب التوبة ، تتنزل فيه الرحمات على كل والد ، كان عونا لفلذة كبده بتهيئة بيئة ايمانية ، يتنفس فيها الخلق الرفيع ، والأدب الحسن ، وألا يكون في يوم من الأيام سببا في حمله على العقوق بسوء معاملته .
فالولد (ان عود الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة وشاركه في ثوابه أبواه )2.فما هي الركائز الأساسية التي تعين الآباء على الظفر بأبناء بررة ، يكونون لهم صدقة جارية ، يوم لا ينفع مال ولا بنون .
الركيزة الأولى : معرفة الله عز وجل
فمن أهم الواجبات ، وآكدها التي ينبغي على الآباء والأمهات أن يحرصا عليها كل الحرص ، جعل كلمة التوحيد-لا اله الاله- مفتاح الأنوار والقران الكريم مركز العملية التربوية . بهذه المعاني نبنى نفسية الطفل ونكون شخصيته ليكون سلوكه في المستقبل سلوكا سويا .ولتكن (أول كلمة تفرحين بها تخرج من فم الصبية والصبي لا اله الا الله وأول جملة قل هو الله )3 .
لأنه ان اهمل في الصغر ، شقي وانحرف عن الطريق ، فيصبح الاثم اذ داك في رقبة الوالدين .قال الحق سبحانه وتعالى (ياأيها الذين امنوا قوا أنفسكم واهليكم نارا وقودها الناس والحجارة )4. تنبيه الهي للوالدين وتذكير لهما بصون الأزواج والذرية عن نار الآخرة .
ويقول الامام المجدد:(مهما كان الأدب يصونه عن نار الدنيا فلأن يصونه عن نار الآخرة أولى )5 . نفهم من هذا الكلام أن الغاية العظمى للآباء في هذه الحياة ،هي احتضان الابناء ومصاحبتهم والسير بهم -بالتي هي أحسن – نحو طريق معرفة الله عز وجل، والدلالة عليه ، ولن يتأتى لهم هذا، الا بغرس الفهم عن الله في الأذهان ، والمحبة والرحمة في القلوب .
الركيزة الثانية الثانية : الحلال والحرام
(أكل الخبيث ومخالطة الخبثاء ، كلاهما تغذية لنفوس الصغار والكبار بالسموم المهلكة )6 .في هذا العصر الذي تتلاطمه أمواج الفتن من كل صوب وحدب، لا تكاد تسمع عن الدرهم الحلال الا ممن رحم الله . فرعاية الأبناء من مأكل ومشرب وكسوة من الحرام هو ايذان بالحرب من الله ، ومقدمة لتشكل الطبع مع الحرام ، والميل الى الانحراف ، فيشتد العود رويدا رويدا على رديء الأخلاق ، فيبدأ الوالدان في حصاد بذور الحرام التي غرست في مهد التربية . فالأم التقية النقية لاتلد الا ابنا بارا ، والوالد الصالح لا يربي الا تقيا . فأكل الحلال واجتناب الحرام مدخل أساسي في عون أبنائنا على البرور بنا .
الركيزة الثالثة : العدل بين الأبناء
عن النعمان بن بشير رضي الله قال : انطلق بي أبي يحملني الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله اشهد أنني نحلت النعمان كذا وكذا من مالي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أكل بنيك قد نحلت مثل ما نحلت النعمان ) قال :لا (فأشهد على هذا غيري )ثم قال (أيسرك أن يكونوا اليك في البر سواء )قال بلى قال فلا اذا ) 7 .
توجيه وارشاد نبوي لنا معشر الاباء للتسوية بين الأبناء في العطية، سواء كانت مادية أو معنوية ، لأن من شأن التمييز أن ينبت في نفوس الذرية الحقد والكراهية والضغائن ، ويبني لنا شخصية عدوانية مع مرور الزمان تنتقم من الصغير والكبير ، ومن القريب والبعيد، وتسخط على واقع اسري لم تستنشق فيه قط نسائم العدل .(حب البنين والبنات واللطف بهم ونحلهم النحلة –وهي العطية –الحسنة سنة مؤكدة )8.
فتقبيل الابناء ،و حسن استقبالهم ، و المدح والثناء عليهم ، كلها أساسات تربوية أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعدل فيها .فعن أنس رضي الله عنه قال أن رجلا كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء ابن له فقبله وأقعده على فخده وجاءته بنت له فأجلسها بين يديه فقال رسول الله عليه وسلم ألا سويت بينهما ).9
الركيزة الرابعة : التربية فن ومهارة
ليس المطلوب من الاباء بناء جيل مثالي ومعصوم ، ولكن المطلوب هو تطعيم الأبناء بالقيم الحسنة ،ثم تركهم ينطلقون يسيحون في الأرض محصنين ، حتى وان وقعوا في الخطأ سيؤنبهم الضمير في الحال ،ويرجعون الى جادة الصواب .لأن مناعتهم الفكرية والايمانية والعاطفية صلبة قوية لا تستطيع الرفقة السيئة ولا الأفكار الهدامة أن تنال منها .
فأخوف ما نخافه على الاباء أن تكون نياتهم في التربية صادقة سليمة ، لكن الاسلوب والطريقة قد تحيد عن جادة الصواب، و نكون كمن يبني على الرمال أو يخط فوق الماء . فالتربية لها قواعد وأساليب ومهارات نجدها مبثوثة في بيت النبوة ، حيث كان خير الخلق يطبقها أثناء تعامله مع السبطين الحسن والحسين بشكل خاص ، ومع عامة ابناء الصحابة رضوان الله عليهم .
لنتعلم ونكتسب مهارة الحوار والتواصل ، وفن الانصات والاستماع الى احتياجات الابناء ، واسلوب الاقناع بدل القمع والتسلط ، وتشجيع المبادرة ،بحميد القول، وجميل الأفعال، بدل النقد والاحباط . من شأن هذا كله أن يفتل في تقوية الرابطة العاطفية وزرع الثقة بين الاباء والأبناء في كلا الاتجاهين . (يشجع الصبيان والغلمان والفتيات على كل حميد من الخلق وجميل من الأفعال مما يقربهم الى الله ويبعدهم عن غضب الله .الصلاة ، والقرآن ، والرحمة بالضعيف ، والنظافة ، والصدق ، والحياء)10
الركيزة الخامسة : مركزية الدعاء
حينما نستوفي الركائز السالفة الذكر ، يكون لدعائنا وتضرعنا الى الله معنى، واستجابة الله عز وجل حقيقة يقينية .
فالدعاء أولا ، ووسطا ،واخيرا ،وهو خلق الأنبياء .نتضرع به الى الله عزو جل في كل صغيرة وكبيرة ، في آناء الليل وأطراف النهار فقد دعا به سيدنا زكريا حينما قال : ( رب هب لي من لدنك ذرية طيبة انك سميع الدعاء )10ودعا به سيدنا ابراهيم فقال ( رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء )11 هو دأب الصالحين من عباد الرحمن حينما ذكرهم الله عز وجل في قوله تعالى : (ربنا هب لنا من أزواجنا وذريتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين اماما )10
ما اجمله من دعاء حينما يجعل الله عز وجل أعين الآباء تقر بأبنائهم عند رؤيتهم، وأثناء مجالستهم .
(قلت : شاركاه في ثوابه حيث أصلحا فيه عملا فكانا سبب استقامته بما هديا وربيا ، ثم يجنيان ثوابا لا ينقطع بدعائه ودعاء من بعد من ذرية صالحة)11

بقلم : عبد الفتاح هدارين
دبلوم الارشاد الاسري

============================== =======

الهوامش:

1 حديث رواه ابن حبان
2 احياء علوم الدين الامام الغزالي
4 سورة التحريم
5 تنوير المومنات ج2
6 حديث اخرجه مسلم في صحيحه
7 تنوير المومنات
8 حديث أخرجه مسلم
9 تنوير المومنات
10 سورة آل عمران
11 سورة ابراهيم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق