كورونا” يحيي أبا تمام . بقلم : حسن الباعقيلي

نزل أبو تمام ضيفا على أبي “الوفاء بن سلمة”، أمير “همذان”. ومكث عنده أياما. ولما هم بالانصراف عائدا إلى داره ببغداد كانت السماء قد كست الأرض بثلج أبيض كثيف. فتقطعت السبل بين الأمصار وتعذر على الناس التنزه والترحال والتجوال. فكان لا بد للشاعر أبو تمام أن يطيل مكوثه عند الأمير مكرها إلى أن يزول عن الأرض ما حل عليها.
وحتى لا يشعر الشاعر بالسأم تكرّم الأمير على الشاعر بأن فتح له باب خزانة كتبه العامرة. فانطلق إليها أبو تمام مسرورا يعبّ منها ويختار وينهل ويستزيد.
وحين سال الثلج الذائب ماء، وأصبح طريق العودة سالكا، وزفّت البشرى إلى الشاعر المتبتل في محراب العلم، كانت الكلمات الأخيرة من ديوان “الحماسة” تبحث عن موضعها لتسكن فيه حتى يمهر تحتها أبو تمام : تم بعون الله.
جمع أبو تمام حبيب بن أوس الطائي مختارات رائعته “ديوان الحماسة” في ما يشبه الأجواء التي نعيشها هذه الأيام بسبب هذا الوباء السائل، والذي لم يترك بقعة إلا وبلغها منذ أن طفح كيله في “ووهان” الصينية. وقد كانت خزانة الأمير مقفلة لا يرى الناس كنوزها ولا يسمح لهم ـ على ما يبدو ـ بارتيادها. فالوفرة في الكتب في ذاك الزمان غير ما هي عليه في أيامنا. غير أن الأقدار هيأت لأبي تمام سبل دخولها. وكأني بها تخاطبه كما خاطب صاحب “النبوغ المغربي”، عبدالله كنون طالب العلم الذي يقصد المكتبة، في قصيدة جميلة قائلا له :
اخلع النعل واخفض الطـرف ### وامثـل بخشــوع عـنـد هيكــل
هاهـنا مـعبـد عكــوفـــك ساعا ### فيه خير من نسك عمر وأفضل
وحين ارتفع الحرج عن الناس، وخرجوا ينظرون في وجه الأرض كيف أصبح بعد أن حجبه عنهم الثلج أياما. خرج معهم الشاعر ليرى وجه الأرض، ولينظر في الطرقات، ويسأل عن حال الوديان وقوافل الركبان. ولكنه لم ينس أن يخرج معه مولوده الجديد، فرحا به، منتشيا بإتمامه وإحكامه. ولا أدري ما الذي كان يدور في خلده ساعتها. ولكنني لا أبتعد كثيرا عن الصواب إن قلت إنه كان يردد المثل الذائع : “رب ضارّة نافعة”
لقد أخرج أبو تمام للناس من خلوته كتابا يعد من أمهات المختارات الشعرية العربية منهاجا ومضمونا إلى جانب “الضبيات” و”الأصمعيات”. وما يزال كتابه إلى يوم الناس هذا مرجعا مفضّلا لدى المشتغلين بالأدب والتفسير وطلبة علوم الشريعة والشعراء والأدباء الذين يتتلمذون على اختياراته. كما كان له تأثير ظاهر في الأوساط الشعرية حيث أطلق كثير منهم اسم الحماسة على اختياراتهم مثل ما فعل تلميذه أبو عبادة البحتري. أما شراح الديوان فكثيرون، لعل أبرزهم الخطيب التبريزي والمرزوقي.
ومثل ما سال ثلج “همذان” سيجف سيل وباء كورونا وسنخرج من الحجر غدا أو بعده. فهل سيكون بين أيدينا شيء نافع نحمله إلى الناس ونردد في سرنا : “ربّ ضارة نافعة”؟.. تمّ بعون الله!

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق