معالم الشراكة الاسرية : في ظل الحجر الصحي. بقلم : ذ. عبد الفتاح هدارين

ان عظمة هذا الدين ،تنبع من اهتمامه بتأسيس مجتمع أخوي يسوده الاستقرار . يبدأ من تكوين أسرة متعاونة على أساس المودة والرحمة ، والحب والاحترام المتبادل .فمضمون الشراكة التي تعمق لدى الزوجين معنى الآخرة، تبقى ممتدة الى دار الخلود، تنعكس ايجابا على فلذات اكبادنا ،فتقر أعيننا بهم في الدنيا والاخرة .
فماهي معالم هذه الشراكة التي ننشدها في بيوتنا
أولا : الشراكة العاطفية :
قال الله تعالى (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن اليها ). 1
يعد السكن العاطفي ، مدخل اساسي في أية علاقة زوجية. يبني لنا شراكة عاطفية ، نفسية ،وجدانية ، يدخلها الطرفان بنية الاستمرار.
فأحيانا يغيب هذا الأساس، عن أذهان الزوجين، أو يهملاه، بعد فترة من الزواج، فيعتادان على حياة رتيبة تصبح العلاقة بينهما خالية من كل المشاعر. وان وجدت، تبقى حبيسة الأفئدة.
في ظل هذا الحجر الصحي لابد للزوجين أن يقفا وقفة للتأمل لمراجعة الثغرات والوقوف على العقبات التي تحول دون تحقيق هذه الشراكة ، قصد تصحيحها والرقي بها نحو الأفضل .
فالعلاقة الزوجية بين الطرفين ،لن تكون لها أية قيمة ، ان لم يستقر بوعائها السكن النفسي ، والـــود المـــتصل ، والتراحم الحاني ، لتحقق لنا (المحبة الخالصة التي يرجى لها أن تنمو بعد الزواج فتلتحم بلحام الرحمة والمودة والمخالقة والصبر) 2
كانت الشراكة العاطفية ، مبثوثة في الحياة الزوجية للحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم. ممتدة زمانا ومكانا ، في الحضر والسفر ، داخل البيت وخارجه ، غير محصورة في غرفة النوم ، يعبر عنها أحيانا بالكلمة الطيبة –(كنت لك كأبي زرع لأم زرع الا أنه طلقها واني لا أطلقك )3 واحيانا باللمسة المباركة ،وأحيانا أخرى بالنظرة التي تقر بها عينه صلى الله عليه وسلم.
ثانيا: الشراكة الايمانية
ستنحرف البوصلة، ولن يكتمل البناء، ان ظن الزوجان أن الشراكة العاطفية والسعادة الجسدية، متعة غير متصلة بالله .(من قرأت في منة سكون الزوج لزوجه مجرد متعة دنيوية منفصلة عن دلالة خلق الله الذكر والأنثى فهي غافلة )4 . لابد للأساس النفسي والعاطفي، أن يترعرع في بيئة ايمانية بمعية صحبة مباركة ، . تكون للزوجين سندا في سلوكهما الى الله عز وجل ، ورافعة تعينهما على طاعة الله ومرضاته ،وتذكير كل طرف للاستعداد للآخرة وذلك بالحرص على قراءة القرآن معا والصيام معا وقيام الليل والتفقه في الدين معا (مَنِ اسْتَيْقَظَ وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّيَا رَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا كُتِبَا مِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ) 5
كلها أعمال فاضلة تنقل الزوجان من شراكة ايمانية الى عبادة جماعية ينخرط فيها الكبير والصغير والذكر والأنثى ويتشربها النشء لتقربه الأعين .
(يجمع شملهم الطهر والايمان والرحمة والمودة في الدنيا لتسعد رحلتهم في الآخرة )6 فيقال لهــمــا يوم القيامـــــــــــة ( ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ )7
ثالثا : شراكة تدبير شؤون البيت وتربية الأبناء
لا يمكن لهذه الشراكة أن تسير بشكل سليم، ان لم يكن هناك اقتناع داخلي بكفاءة الطرف والشريك الآخر، والتنازل المطلق عن الأنانية المستعلية لمصلحة الشراكة . ان ما يصيب الحياة الزوجية من جفاء ونفور ناتج عن تمسك كل من الطرفين بأ نانيته وتحقيق رغباته ،وعدم الوعي بمفهوم الشراكة في اطارها التكاملي لا التقاسمي . فالمقصد الأسمى من التعاون في تدبير شؤون البيت هو تقديم الدعم للمرأة وتخفيف الضغوط عنها ، وتشعر أن الزوج يقدر تعبها وشقاءها في أعمال البيت . ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يهتم بهذا النوع من الشراكة اهتماما بالغا كما أخبرتنا أمنا عائشة رضي الله عنها حين سئلت عن عمله في بيته فقالت (كان في مهمة أهله يخيط ثوبه ويخصف نعله ويحلب شاته ويخدم نفسه ) 8
فلن (يتم السكون والمودة والرحمة في البيت اذا كان وقت المرأة لا يحترم ،واذا كانت المشقات والخدمة في البيت لا يتعاون على حملها الرجل والمرأة )9 ا
فا لحمل الثقيل مسؤولية مشتركة تتعدى تدبير شؤون البيت الى مستوى التخطيط الأسري وتربية الأبناء بنسب متفاوتة ، فقد تكون وظيفة الأم أكبر من وظيفة الأب في مرحلة معينة أو في ظروف خاصة ، وقد تكون وظيفة الأب أكبر من وظيفة الأم في مراحل معينة أو في ظروف خاصة لكن كل ذلك في اطار توزيع الأدوار بشكل عقلاني وليس استنساخها بشكل هجين .
ما بعد الحجر الصحي : شراكة دعوية
حينما تلبى الاحتياجات الفطرية والعاطفية للزوجين ، وتنموا في بيئة ايمانية بمعية صحبة مباركة . يوقظ الحق سبحانه وتعالى في هذا البيت همة ، ونشاطا وحيوية ، يقطع أصحابه مع القعود الخامل، والغفلة عن الله ، و العادات الجارفة ، ليتحول الى قبلة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ،و ينتقل كلية (من رقم في أحياء الى أرقمية في احياء الأحياء بالقرآن والذكر والعلم والسنن ، وايواء يتامى الروح واطعام الطعام ، وصلة الارحام واكرام الضيوف والزوار )10′
قال الحق سبحانه وتعالى 🙁 وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وأولئك هُمُ الْمُفْلِحُونَ)11
البيوت المطمئنة أمة مصغرة ،من الأمة الكبيرة .استقرارها أساس دعوتها ولبنة في بناء العمران الأخوي المنشود .
بعد الأخذ بكل هذه الأسباب ،لا مفر لنا الا الوقوف بباب الله عز وجل والتضرع بين يديه لكي ندعو بدعوة الصالحين المتقين مصداقا لقوله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاما 12ا
في الآية الكريمة بشارة من الحق سبحانه وتعالى بمركزية الدعاء واهميته في الاستقرار الأسري بحيث خص به دون غيرهم (عباد الرحمن مستقرين أزواجا في أسرتهم مع ذرياتهم .من فضائلهم الحميدة وأخلاقهم المجيدة وعبادتهم الرشيدة أنهم يدعون ربهم هنا في الدنيا )13
الدعاء ،أولا، ووسطا، واخيرا . ثمرته المرجوة، لابد لها من مقدمات ومسببات تمكننا من قطف ثمار السكن المستقر وقرة العين في الدنيا قبل الآخرة وتجعل من الطليعة المجاهدة ائمة للمتقين .
المراجع :
1 سورة الأعراف الاية 181
2 تنوير المومنات ج 2 ص76
3 صحيح البخاري
4 تنوير المومنات 173
5 صحيح البخاري
6 تنوير المومنات ج 2 ص142
7 سورة الزخرف
8 صحيح البخاري
9 تنوير المومنات ج 2 ص 162
10 كتاب في طريق الاحتضان والتأهيل والتخليق
11سورة ال عمران 104
12 سورة الفرقان 74
13 تنوير المومنات ج 1 ص 14

بقلم : المستشار الأسري عبد الفتاح هدارين

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق