سر العبقرية عند الطيب صالح . بقلم حسن الباعقيلي

ولد الطيب صالح في قرية من قرى السودان. ونشأ بها صبيا وأحبها يافعا وتعلق بها مهاجرا. وكان إصراره على تضمين كل نصوصه القصصية والروائية شتى الصور التي تتبدى فيها الحياة في تلك القرية السودانية مدهشا وغريبا. فقد شمل كل مفرداتها وعناصرها حتى طغت، وحتى اعتبر بعض دارسيه أن نصوصه فصول في نص واحد، عموده بيئة القرية السودانية، وحتى أكثر منتقديه استعماله الملفت للهجة السودانية القروية في بعض رواياته. رغم أنها ليس من اللهجات المتداولة في العالم العربي، والتي يسهل فهم معانيها بسلاسة مثل العامية المصرية مثلا.
أعتقد أن سر هذا الاصرار هو هاجس الخوف من الذوبان والتلاشي في الغرب، واضمحلال الهوية التي تكونت في النشأة الأولى في القرية السودانية. فبقاء نبض القرية السودانية متجسدا في نصوص هو تغذية مستمرة ومتجددة لنواة تلك الهوية التي لم يرغب صالح أن يفقدها.
ولذلك يمكن القول إن المحرك الأساس الذي جعل الطيب صالح يبني نصوصه الروائية والقصصية على القرية السودانية بكل تفاصيلها وزواياها البادية والخافية هو الخوف عليها من النسيان. إذ كان يريدها أن تبقى حية في قلبه، مشعة في وجدانه، حاضرة في ذهنه. وأظنه كان يشعر بالرهبة كلما مر عليه موقف زهير حين وقف على ديار أحبته ولم يتعرف عليها إلا بعد لأي وطول توهم.
ظل الطيب صالح محبا لقريته، حالما باليوم الذي تسعفه الظروف ليعود إليها. ولما تأخر ذاك اليوم ولم تتهيأ تلك الظروف، قرر أن يرسل إليها رسولين يتقاسمان معه نقاطا كثيرة. أحد الرسولين كان مصطفى سعيد والآخر هو الراوي في رواية “موسم الهجرة إلى الشمال”.
وإذا أمعنا النظر قليلا في الشخصيتين اللتين عاد بهما الطيب صالح من أرض الغربة، بدلا عنه، إن جاز القول، إلى السودان. نجد أن حلول مصطفى سعيد بالقرية كان في البدء نافعا. إذ ساعد الناس على ترتيب حياتهم الاجتماعية ومعاملاتهم الاقتصادية وفتح عيونهم على مكامن القوة فيما يملكون من الثروات والوسائل. ولكنه، واستجابة (لذلك النداء البعيد الذي لا يزال يتردد في أذنه) لم يستطع أن يمكث بها طويلا. فكان رحيله عنها بداية لمأساة لم (ير القرويون ولا سمعوا بمثلها لا في الزمن السابق ولا اللاحق). بينما قيم راوي “موسم الهجرة إلى الشمال” عودته بقلة الفائدة والنفع (باعتباره موظفا لا يقدم ولا يؤخر) إذ الفاعل الحقيقي في القرية هو محجوب صديق الطفولة القروي الفلاح والذي تحول إلى (طاقة فعالة في البلد).
وكأن صالحا يريد أن يعتذر لقريته عن عدم رجوعه إليها خشية أن يسبب وجوده بها مأساة أو أن يكون وجوده بها قليل النفع والفائدة.
فضل الطيب صالح ـ إذا ـ أن يبقى بعيدا عن قريته ويتخذ من الكتابة عنها جسرا يعبره إليها خلسة كدأب الشعراء العشاق قديما. والذين كان مغرما بهم. إذ لم يجد لذلك وسيلة على ما يبدو إلا القلم، إزميلا ينحت به صورة القرية وينفخ فيها من روح عبقريته.
شكل هذا الارتباط العميق بالقرية السودانية عمود الإبداع الأدبي عند الطيب صالح. فقد حاول من خلال الكتابة أن يبقيها بكل ملامحها وعناصرها حية يستودعها نصوصه، لإدراكه أن الأدب يقاوم التلاشي ويتحدى الاندثار. وقد عبر هو عن ذلك في مقولة تنسب إليه : “أكتب لكي أقيم جسرا بيني وبين بيئة افتقدتها”
وإجمالا، وإذا كان النقاد يشيرون إلى أن من قوانين الكتابة الأدبية أن يكتب الأديب عما يعرف. فالطيب لم يكتب فقط عما عرف، بل عما عرف وأحب. ولذلك أبدع..

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق