كيف ينظر القرويون إلى ال”تراكتور”؟ بقلم : احمد اضصالح

[0 تعليق]

%d8%a7%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d8%b6%d8%b5%d8%a7%d9%84%d8%ad
يعرف القرويون تفاصيل كثيرة عن ال”تراكتور” باعتباره آلة رهيبة أحكمت قبضتها على الحرث والزّرع والدّرس في العقد الأخير.
فمنذ أن برز إلى حيّز الوجود، قضى على وسائل الإنتاج التّقليدية والشّعبية، فأضحى المحراث الخشبي ضربا من الماضي والتّقليد، وبات مستعملوه يعدون على رؤوس الأصابع أقزاما أمام طغيان الآلة الجديدة. وصار طمعها وجشعها يكبر يوما بعد يوم بمساعدة مصادر الطّاقة والتّكنولوجيا الرّهيبة.
و”تيويزي” التي كانت لحدّ قريب واحدة من المظاهر التّضامنية والثّقافية، وقدّم الأجداد في سبيلها تضحيات جسام ردحا من الزّمن، وتغلغلت في صفوف الجماهير، وسُجّلت بفضلها بطولات ما زالت تُحكى في المجالس بنوع من الزهو والمباهاة، كملاحم لها رجالاتها، سينخرها الدّود من الدّاخل، وتصير كلّ مقوّماتها صور شخوص تُعلّق هنا وهنالك، وكلّ رصيدها شعارات بالية يعتقد الذين يرفعونها أنّها باتت فزّاعة يُصرخ بها في مواسم الحصاد لاستدرار عطف من ما زال على النّهج ولم يُبدّل، في مشاهد درامية رهيبة.
أمّا “الميزان” الأصيل ذو الكفّتين، الذي يُنصب في البيادر عند جمع الغلل، فما عاد يُجدي نفعا، وما عاد يُؤدّي وظيفته التي خُلق لأجلها، ذلك أنّ ال”تراكتور” يجرّ معه آلة لم تقض فقط على ما تبقّى من وسائل الإنتاج القديمة، بل تعدّت ذلك إلى حصد بقيّة قيم فلاحية كانت سائدة لحدّ قريب.
فمن يسأل بعض القٌدامى عن “الميزان” ذو الكفّتين ما فتئ يُعدّ أفضاله في توزيع الغلّة بالتّساوي، بين أهل الخمس والرّبع والثّمن، ونصيب المسجد، وحقوق الفقراء، بل والحيوان، وكلّ من حضر القسمة في البيادر حين إخراج الحقوق، وتستمرّ فائدته إلى حين تخزين الحبوب في “إكودار” –الحصون- وإعادة توزيعها.
لقد صار ال”تراكتور” رهيبا حدّ بلعه كلّ هذه الأشياء، وما زالت آلياته التي تُرفق معه تلتهم كلّ ما جاءت عليه في مشهد مُشفق، يتأسّف عليه كلّ من عايش “المحراث” الخشبي، و”الميزان” و”تيويزي” وأشياء أُخرى، فما كان من الكثيرين إلاّ أن اعتزلوا حراثة الأرض، وصاموا عن الدّرس والزّرع رغم اشتهاء المحصول، فلجؤوا للأسواق الأسبوعية يستجْدون صاعا من شعير مستورد هنا وصاعا من قمح هنالك.
فئة قليلة فقط، عدّت ال”تراكتور” نعمة كبرى على الحرث والنّسل في قُرانا، تتكوّن عادة من النّخبة والألبة، تخدم الآلات لا الإنسان، المادّة لا المبدأ، تصير معها الغلل مصدرا للدّخل وإن موسميا، وتتحكّم في مفاصل الزّرع والحرث والحصاد، تجني الثّمار بعنهجية منقطعة النّظير ب”تراكتور”ها، وتراقب بتأنّ أحوال القرويّين الذين ينتظمون في طابور الانتظارية، يحدوهم الأمل العريض في استعادة شيء من الذّكرى، قد تعود وقد لا تعود.

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات