أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها

[0 تعليق]

13428590_258204021237517_3920707164386504964_n

لقد كان القران الكريم وما يزال معجزا ، لانه ما كان ابدا من جنس الشعر ولا منتسبا الى ألوان النثر، كان نصا فريدا ،استعصى الاتيان بمثله، حتى استرعى اهتمام صناديد الكلام وعمالقة البيان حينها ، فوجده الفحول منهم، مركبا تركيبا بلاغيا عجيبا ،احتوى القران الكريم على كم هائل من الظواهر البلاغية ، نذكر منها هنا الطباق والمقابلة ويمثله قوله تعالى (وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور ).
ما معنى الطباق؟ وما معنى المقابلة ؟، الطباق اسلوب بلاغي يعتمد بيان امر بنقيضه ، دون تكلف ولا تصنع ، ارتقاء بالمعنى وصونا للمبنى، كما يقول الحكماء انما يعرف الشيء بنقيضه ، وتميز الامور بخوالفها ،كقوله تعالى ﴿ وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ﴾ ، والطباق ، اسلوب فكري بيداغوجي، كما يقول أبو نصر الفارابي :”وأما استعمال مقابل الشيء، فإنه نافع في الفهم من قبل أن الشيء إذا رتب مع مقابله فهم أروع وأجود، وكذلك قد يذكر الشيء مقابله، فلذلك قد يمكن أن يؤخذ مقابل الأمر علامة الأمر، فيصير معينا على فهم الشيء وعلى حفظه”.
اما المقابلة فهي من المحسنات البديعية المعنوية التي ترتقي بالمعنى كقوله تعالى : ﴿ فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا ﴾ ، وحضيت بدراسة علماء البلاغة فوجدوها مستقلة عن الطباق ،فخصصوا لها حيزا في مصنفات كتبهم ، وكان قدامة ابن جعفر أول من تكلم عنها ، وعدها فنا مستقلا بذاته ، وذكر خصائصها الأسلوبية التي تجمح باليبان الى علوه وتسمو بالبديع في حلله ، وقد عرفها بقولة :” وصحة المقابلة أن يضع الشاعر معاني يريد التوفيق ، أو المخالفة بين بعضها وبعض ، فيأتي في الموافق بما يوافق ، وفي المخالف علي الصحة ، أو يشرط شروطا أو يعدد أحوالا في أحد المعنيين ، فيجب أن يأتي فيما يوافقه بمثل الذي شرطه وعدده ، وفيما يخالف بضد ذلك ”
وعرفها أبو هلال العسكري ، بقوله: ” هي إيراد الكلام ثم مقابلته بمثله في المعنى ، واللفظ على وجه الموافقة ،أو المخالفة ، نحو قوله تعالى : (فمكروا مكرا ومكرنا مكرا ) فالمكر من الله تعالى : العذاب . جعله الله عز وجل مقابلة لمكرهم بأنبيائه ، وأهل طاعته ، وقوله تعالى (ويحل لهم الطيبات ، ويحرم عليهم الخبائث )
و أورد ابن رشيق القيرواني تعريفا، فقال : المقابلة ” أصلها ترتيب الكلام على ما يجب ، فيعطى أول الكلام ما يليق به أولا ، وآخره ما يليق به آخرًا ، ويؤتى في الموافق بما يوافقه ، وفي المخالف بما يخالفه ، وأكثر ما تجيء المقابلة في الأضداد ، فإذا جاوز الطباق ضدين كان مقابلة ” من ذلك قوله تعالى : ( فأما من أعطى واتقى ، وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى ، وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى )
ويعرفها بدر الدين الزركشى يقول : ” هو ذكر الشيء مع ما يوازنه في بعض صفاته ، ويخالفه في بعضها ” منه قول الرسول (ص) ، في خطبـة له : ( ألا وإن الدنيا قد ارتحلت مدبرة ، وإن الآخرة قد ارتجلت مقبلة)
وعرفها السكاكي ، فقال : المقابلة أن تجمع بين شيئين فأكثر ، وتقابل بالأضداد ، ثم إذا شرط هنا شرطت هناك ضده ” كقول ابي تمام

يا أمة كان قبح الجود يسخطها *** دهرا فأصبح حسن العدل يرضيها

وعرفها الخطيب القزويني ، فقال : ” هي أن يؤتى بمعنيين متوافقين ،أو أكثر ،ثم بما يقابل ذلك على الترتيب ”
ولا يعدو الطباق ولا المقابلة ، الا ترجمة لغوية لمفاهيم كونية ، اولها ثنائية الاشياء المستمرة ، الحياة والموت ، والخير والشر ، والفناء والوجود ، يقول تعالى ( ومن كل شيء خلقنا زوجين) ، ويتجاوز القران الكريم انتباه بعض اصحاب المعاني وفقهاء البلاغة ، ليخاطب الارقام والاعداد ، في قوالب سيميولوجية خفية توظف هذه الثنائيات ، فقد ذكر الله تعالى لفظ * الايمان 25 مرة ولفظ الكفر 25 مرة ايضا ، وذكر الدنيا 115 مرة والاخرة 115 مرة ايضا ، كما ذكرت الملائكة في القران 88 مرة وذكرت الشياطين 88 مرة ايضا ، وذكر البارئ عز وجل لفظ * الحسنات* 167 مرة ولفظ السيئات 167 مرة ايضا ، وذكر العقاب 117 مرة وقابله بضعفه من لفظ * المغفرة * ب234 مرة ، ……وهذا الامر مسترسل في القران كله ، ليتبن ان بلاغة القران تتجاوز الحدود، وتتعالى عن انشاء البشر،.. وهل تكون كل هذه المعادلات الحسابية صدفة ايها السادة.؟………

بقلم ( محمد الوافي )

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات