رأي : تعدد الزوجات بين الشريعة الإسلامية ومدونة الأسرة المغربية ( الجزء الثاني والأخير )

[0 تعليق]
  • Email
[whatsapp]

عبد المجيد بوتنبا

بعد أن تطرقنا في الجزء الأول من موضوع تعدد الزوجات بين الشريعة الإسلامية ومدونة الأسرة المغربية إلى تعريف وسند تعدد الزوجات،و شرط العدل بين الزوجات،وسنشير في الجزء الثاني إلى وضع الشروط في عقد الزواج عند فقهاء الشريعةالإسلامية و مدونة الأسرة ( في الحالة التي تشترط الزوجة على زوجها ألا يتزوج عليها ) هل يلزم بذلك أو لا سواء في الشرع أو القانون ؟ والإجراءات المسطرية التي تقوم بها المحكمة بعد طلب الزوج الإذن بالتعدد وسنشير في الأول إلى وضع الشروط في عقد الزواج.

-وضع الشروط في عقد الزواج عند فقهاء الشريعة الإسلامية و مدونة الأسرة
أما بخصوص التعدد في مدونة الأسرة لسنة 2004 فقد سلك المشرع طريقا ضيقا حيث قيد التعدد لدرجة أنه اقترب فيه من المنع، وتطرق المشرع لهذه المسألة في المواد من 40 إلى 46 من مدونة الأسرة. وقد نصت المادة 40 على أنه ” يمنع التعدد إذا خيف عدم العدل بين الزوجات، كما يمنع في حالة وجود شرط من الزوجة بعدم التزوج عليها ” وبخصوص الشق الثاني من المادة أي في حالة اشتراط الزوجة على زوجها عدم التعدد أي إعطاء الحق للمرأة أن تشترط على زوجها في عقد الزواج ويكون هذا الشرط في نفس العقد أو في عقد لاحق، ويتضح أن المشرع اعتبر أن ذلك يدخل في حقها وذلك استنادا بقول عمر ابن الخطاب رضي الله عنه ” مقاطع الحروف عند الشروط ” وكذا العمل بقاعدة – العقد شريعة المتعاقدين – المتعارف عليها شرعا وقانونا، ولا بأس في الرجوع إلى اختلافات العلماء في وضع الشروط في عقد الزواج، حيث اتفقوا على عدم تعليق الزواج على شرط واقف أو فاسخ ومن أمثلة ذلك : كقول الزوج لزوجته سأطلقك إذا رسبت في امتحان التوظيف أو سأزوجك بشرط ألا تصلي فهذه الشروط وغرها مما تناقض الشريعة فهي باطلة بطلانا مطلقا، واختلفوا في الشروط الجائزة وإذا كانت آثار عقد الزواج من عمل الشارع عند فقهاء المذاهب الأربعة بالجملة فإن الشروط المقترنة بالعقود لا تكون ملزمة للطرفين إلا إذا كانت متفقة مع الآثار التي رتبها الشارع الحكيم على ذلك العقد. أي ما يشترطه الزوجين من الشروط لا يلزم إلا إذا كان الشارع يقره أو على الأقل لا ينافي مقاصده.
ومن هنا تكمن نقطة الاختلاف بين الفقهاء، وذلك فيما يلزم من الشروط من بين موسع ومضيق. فالظاهرية منعوا كل شرط إلا ما جاء النص بإثباته إذ قصروا الأدلة على النصوص. والحنابلة وسعوا من الشروط بحيث أجازوا كل شرط إلا ما قام الدليل على منعه
وذهب الحنفية والشافعية وجمهور المالكية إلى أن الشروط المعتبرة هي التي تكون متفقة مع مقتضى العقد. وهذا مرجع مدونة الأسرة فيما يخص الشروط الإرادية لعقد الزواج وآثارها كما نصت عليه المادة 47. وقد قسم الفقهاء عادة الشروط التي تضمن في العقد إلى ثلاثة أنواع: ما يقتضيه العقد ولا ينافيه وما يقتضيه العقد ولا ينافيه و ما ينافي العقد، طبقا للحديث الذي رواه بن عباس رضي الله عنه أن الرسول صل الله عليه وسلم قال:” المسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلال أو حلل حراما ” والحديث يدل على جواز الشروط الجائزة ومن أمثلتها: اشتراط الزوجة على زوجها ألا يضربها أو أن لا يتناول الخمر أو أن لا يتاجر في المخدرات .. واشتراط الزوج على زوجته أن تسكن مع أهله .. وجاء المعيار للونشريسي:” زواج الصغيرة والكبيرة بشرط تأخير البناء بها بعد سنة جائز كما جاء على لسان شيخ المفسرين الإمام الشوكاني “. ومن بين الشروط الغير الجائزة إشتراط الزوج على زوجته على ألا ينفق عليها أو أن يشترط عليها أن تنفق هي عليه.. واشتراطها عليه ألا تلد أو ألا يجامعها إلا مرة وادة في الشهر أو أن يتبنى أحد أبنائها من زوج سابق حسب ما أشار إليه الأستاذ الكشبور.
وفي المذهب المالكي فالشروط الإرادية غير ملزمة، بل وتتسم عنده بالكراهة، غير أن المتأخرين من فقهاء الهب أجازوها ومن هنا قال ابن عاصم الغرناطي في تحفته:
وما ينافي العقد ليس يجعل *** شرط و غيره بطوع يقبل .
و في نفس السياق دائما أفرد ابن رشد رحمة الله عليه إختلاف العلماء في اشتراط الزوجة على زوجها ألا يتزوج عليها فقال في ذلك: قال مالك إن اشترطت ذلك لم يلزم .. كذلك قال الشافعي وأبو حنيفة، وقال الأوزاعي وابن شبرمة لها شرطها وعليه الوفاء ” ويقول ميارة الفاسي وهو بصدد حديثه عن الشروط المضمنة بعقد الزواج : ” شرط ألا يتزوج عليها فذكر ابن الحاجب أنه مكروه ولغى ..”. وذهب جانب من فقهاء المذهب المالكي من المتأخرين عن جواز شرط اشتراط الزوجة عدم الزواج عليها ويترتب وجوب وفاء الزوج به في حالة ما تم تعليقه بالطلاق. وذهب البعض الآخر على أن هذا الشرط إن كان دون يمين لم يلزم، وجاز له أن يتجوز عليها. وجا في المعيار ” أن الشرط في النكاح إذا لم يكن معلقا بالطلاق أو التمليك لا يلزم وإنما يستحب الوفاء به “. إلى غير ذلك من الإختلافات بين العلماء، والإختلاف رحمة وقد اعتمد المشرع على مذهب الأحناف الذي يجيز اشتراط الزوجة على زوجها عدم الزواج عليها. ومن هنا يمكننا القول أن هذا الموقف ذو سند قوي إضافة إلى أنه الأمثل خصوصا في الآونة الأخيرة حيث يصعب الجمع بين النساء خصوصا في الآونة الأخيرة نظرا لقلة الموارد المادية .. وتطرقت مدونة الأسرة لهذا الشرط في المادة 40 التي جاء فيها: “.. يمنع في حالة وجود شرط من الزوجة بعدم التزوج عليها “.
وفي حالة عدم وجود شرط التعدد يقدم طالب التعدد بطلب الإذن إلى المحكمة وذلك بعد ذكره للمبررات الموضوعية مقاله كما أشارت إليه المادة 41 من المدونة، ومن بين هذه المبررات أن تكون الزوجة عاقرا، أو نفورها من المعاشرة أو أن تصير الزوجة طاعنة في السن خلافا للزوج ..، مع استبعاد المبررات ذات الطابع الشخصي كالمحبة القلبية مثلا.
أما الشرط الثاني فهو متعلق بوجود الموارد الكافية لإعالة أسرتين طبقا للبنذ الثاني من المادة 41 من المدونة، وذلك لضمان الحقوق المتعلقة بالنفقة والسكن والملبس والمساواة بين الزوجات وهذا مرتبط بالعدل حسب منطوق الآية المشار إلها سلفا. ويكون عبئ إثبات القدرة على إعالة أسرتين فتثبت بشهادة دخل الزوج أو رقم معاملاته التجارية .. ونعتقد أن القدرة على إعالة أسرتين فما أـكثر باتت صعبة في الآونة الأخيرة دون نفي قدرة البعض عليها.
وبع التطرق إلى شروط التعدد وبعد استلام المحكمة لطلب الإذن بالتعدد من طرف المدعي تقوم المحكمة بالإجراءات الثالية:
1- إستدعاء الزوجة المراد التزوج عليها للحضور أي يطلب زوجها الإذن لها بالتعدد حسب المنصوص عليه في المادة 43 من مدونة الأسرة، وفي الحالة التي لم تحظر فيها أو امتنعت في ذلك بث في الطلب من طرف المحكمة.
2- أما الإجراء الثاني حسب ما تنص عليه مقتضيات المادة 44 على أنه تجري المناقشة في غرفة المشورة بحضور الطرفين ويستمع إليهما لمحاولة التوفيق والإصلاح بينهما،
وللمحكمة أن تأذن بالتعدد من عدمه وفي حالة الإذن بالتعدد، فالقرار لا يقبل الطعن وذلك في الحالة التي تبث لها المبرر الموضوعي وتوفرت شروطه الشرعية مع تقييده بشروط لفائدة المتزوج عليها وأطفالها إن وجدوا، ونشر هنا إلى أنه في حالة رفض طلب التعدد فيحق للمطالب به الطعن فيه أمام محكمة الإستئناف وهذا القرار بدوره يقبل الطعن بالنقض.
3- الحكم بتطليق الزوجة التي تطلب ذلك من المحكمة، وذلك في حالة تعذر استمرار العلاقة الزوجية بين الطرفين وذلك بعد فشل محاولة الصلح حسب المنصوص عليه في المادة 97. وإذا طالبت الزوجة بتطليقها من زوجها حددت المحكمة مبلغ استيفاء كافة حقوقها هي وأولادها. وفي حالة عدم ايداع المحكوم به في أجل 7 أيام يعتبر ذلك تراجع عن طلب التعدد.
4-حالة عدم رغبة الزوجة في التطليق من زوجها ولم توافق على التعدد وتمسك الزوج بالتعدد ففي هذه الحالة تسلك المحكمة تلقائيا مسطرة التطليق حسب ما تنص عليه المادة 45 من المدونة التي جاء فيها:” فإذا تمسك الزوج بطلب الإذن بالتعدد ولم توافق الزوجة عليها ولم تطلب التطليق طبقت المحكمة تلقائيا مسطرة الشقاق المنصوص عليه في المواد من 94 إلى 97 بعده “. وهذه المادة هي بمثابة سلاح يستعمله المطالب بالتعدد في حالة رفض الزوجة ذلك وعدم مطالبتها بالتطليق وعدم وجود شرط عدم الزواج عليها في العقد. وتعتبر هذه النقطة محل إشكال حيث أن مسطرة التطليق تطبق تلقائيا ولو أن الزوجة راغبة في استمرار العلاقة الزوجة وتمسكها بزوجها.
وسأختم بالقول على أن المشرع المغربي لم يمنع التعدد بشكل قطعي، لكن ضيق إلى أبعد الحلول حيث جعله شبه ممنوع وذلك بوضع شروط يصعب توفرها في المطالب بالتعدد وهو شرط المبرر الموضوعي.

بقلم: عبد المجيد بوتنبا

abdelmajid.bat@gmail.com

  • Email
[whatsapp]

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات