الثرثرة السياسية لا تصنع ديمقراطية بقلم: أمين جوطي

[0 تعليق]

amine.ph

إن المجتمع الذي يسيرُ نحو توطيد ركائز الديمقراطية، هو مجتمعٌ يحملُ على عاتقهِ تحدياتٍ كبيرة، ومُطالبٌ بالكثير من العمل والنضال اليومي، كلٌّ من موقعه، وعلى صعيد كافة مؤسساتهِ الاجتماعية والسياسية.

غير أن “الديمقراطية الناشئة” مهددة دوماً بالديماغوجية والديماغوجيين، وإخوانهم من مذهب الثرثرة السياسية، فبناء الدول يكون بالتخطيط، والعمل، والفكر، لا بامتهان الكلام الفارغ وعَلْكِه. فما هو مرض الثرثرة السياسية ؟ وما هو علاجه؟

تُعَرَّفُ الثرثرة على أنها كثرة الكلام دون معنى، فهي ضجيج من الألفاظ دون حمولة فكرية أو معرفية. وهي مرض يتضخم عند صاحبه فيعاني مما يُصْطَلَحُ عليه في قاموس علم النفس من “فرط الثرثرة” “hyperphrasie“.

 وفرط الثرثرة مرض خطير، وخطورته هذه تشْتَدُّ عندما يكون المصاب به فاعلا قياديا في الساحة السياسية. إذ نصبح أمام مصاب بما أوذُّ أن أطْلِقَ عليه: “فرط الثرثرة السياسية” “ hyperphrasie politique “.

 

وأعتقد أن أعراض هذا المرض تظهرُ بوضوح عندما تغيب الكفاءة السياسية وتنعدم القدرة على إعمال التفكير المنهجي العلمي السليم، ويَطْغَى بدلا عن ذلك إسهالٌ لفظي وتَسْويفٌ مُزْمِنٌ ووعودٌ مدغدغةٌ للعواطف……الخ.
يسود العالم العربي هذا المرض وتشتد حدته مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، فمع غياب برامج عملية وواقعية عند أغلب الأحزاب، حتى لا نعمم، وغيابِ معارضةٍ بناءة ومبنية على أسس، يقفز علينا بعض الساسة عبر خرجات إعلامية مثيرة لاشمئزاز المواطنات والمواطنين، فيطيلوا في الخطب الجوفاء، ويُغدقوا  التسويفات السرابية، ولا يخجلون في مزايدات البعض منهم على البعض الآخر، وقد يَصِلُ الأمر إلى حَدِّ “البغبغة” وهي (اضطراب نفسي يجعل المصاب به يهذي من غير أن يعرف معنى كلامه).
وهو ما يحْصُلُ لـ”جماعة الثرثارين السياسين”، فتحت ضغط إغراء المناصب والتسابق المحموم للوصول إلى الكراسي يلوح هؤلاء بكلامهم شرقا وغربا، دون انسجام مع معطيات الواقع المعيش، وبعيدا عن جادة الصواب، ويتمظهر ذلك في “مساجلاتهم” التي تغيب فيه المنهجية وينعدمُ تدافع الحجة بالحجة، وتُغلف “الحقيقة” بتدفقات كلامية هي أقرب إلى الهوس، ويبقى الكلام في مواجهة الكلام لِيُكَوِّن فقاعةً كبيرةً لا ينجمُ عنهَا في النهاية إلا الفراغ.
وعلى هؤلاء أن يعلموا بأن السياسة هي فن الممكن وليست فنا للكذب أو إسهالا لفظيا، كما عليهم أن يعملوا على علاج أنفسهم من هذا المرض الذي يفتك بالحياة السياسية ويشوه المعنى النبيل للسياسة، وهو ما يصيبُ المجتمع بأضرار كبرى.

وقد تَكْمُنُ الوصفة لشفاء هؤلاء في:

–  “العلاج بالعمل” ergothérapie وذلك من خلال الانكباب على هموم المواطنين ومشاكلهم ومحاولة إيجاد أفضل الحلول

– اكتساب معرفة سياسية واسعة مما يؤدي إلى امتلاك رؤية شاملة للأمور؛

 – توظيف صحيح للخطاب السياسي المنهجي والعلمي والمتماسك؛ المبني على الوعي السياسي ومعالجة القضايا وفق معايير التفكير السليم الذي يتجاوز الهلوسة الكلامية ؛
*
وضع مخططات و برامج طموحة وقابلة للتحقيق دون استغلال سياسوي ضيق لا يخدم إلا المصالح الذاتية أو الحزبية الضيقة؛
*
التحلي بالجرأة السياسية وامتلاك القدرة على الصدق مع الموطنين،

وأخيرا، فليعلم هؤلاء بأن الثرثرة السياسية وإن حققت بعض المكاسب الآنية، فإنها ستؤدي إلى انعدام الثقة بين السياسي والمواطنين مع مرور الوقت، وستخلقُ بالتالي مجتمعا هشّاً ورخْواً.

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات